الصفحة 88 من 214

ومنها: ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب، من رواية قيس بن طلق، عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلًا سأله، فقال: يا رسول الله، اليوم يصبح الناس يقول القائل هو من رمضان، ويقول القائل ليس من رمضان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين» وهذا الحديث وإن كان بعض رواته متكلم فيه، فهو يصح للاعتضاد والاستشهاد بلا ريب.

ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، وابن ماجة والترمذي، من حديث أبي إسحاق عن صلة بن زفر، قال: كنا عند عمار بن ياسر، فأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه مرفوعًا النهي عن صوم يوم الشك، وقد روى عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم: أنهم نهوا عن صوم يوم الشك، منهم حذيفة وابن عباس، وقد نص الإمام أحمد بن حنبل، في رواية المروذي، على أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم شك، وهذا القول صحيح بلا ريب، فالقول بوجوب صوم هذا اليوم لا دليل عليه أصلًا.

والقائلون بعدم الوجوب، قد ذكروا من جهة المعنى وجوهًا عاضدة ومقوية لما تقدم من الأحاديث، الوجه الأول، قالوا: الواجب صوم رمضان، وهذا اليوم ليس من رمضان فلا يجب صومه، والدليل على أنه ليس من رمضان الحكم والمعنى، الوجه الثاني: قالوا: الشك بالغيم ليس بأكثر من الشك الحاصل بشهادة من رد الحاكم شهادته، ثم هناك لا يجب به الصوم فكذلك الغيم، يوضح هذا: أن الغيم ليس سببًا في وجوب الصوم، إنما السبب رؤية الهلال، أو شهادة برؤيته، ونحن على الأصل، والغيم لا يصلح ناقلًا، الوجه الثالث: قالوا: عبادة، فلا يجوز الدخول فيها إلاَّ على يقين، كسائر العبادات، وذلك: أن الشرع لما أوجب العبادات الموقتة، نصب لها أسبابًا وأعلامًا، فدخول وقت الصلاة سبب لوجوبها، فلو شك فيه لم يجز له فعلها.

فإن قيل: ما ذكرتموه من الأدلة على عدم الوجوب، معارض لما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن عبدالله بن عمر، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له» فإن معنى اقدروا له: ضيَّقوا له عددًا يطلع في مثله، ومن هذا قوله ـ تعالى ـ: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ} [الطلاق: 7] أي: ضيق.

قلنا: ليس في الحديث دليل على وجوب الصوم أصلًا، بل هو حجة على عدم الوجوب، فإن معنى اقدروا له احسبوا له قدره، وذلك ثلاثون يومًا، وهو من قدر الشيء وهو مبلغ كميته، ليس من التضييق في شيء، والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، من حديث ابن عمر «فإن أغمي عليكم فاقدروا ثلاثين» كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر أيضًا «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين» فإن اللام في قوله: «فاكملوا العدة» للعهد، ولم يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرًا دون شهر بإكمال إذا غم، فلا فرق بين شعبان وغيره، وقد روى الإمام أحمد عن وكيع، عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي، قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلها، لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، ثم ذكر الروايات عن الإمام أحمد، كما هي مذكورة فيما يأتي، نقلًا عن المغني والإنصاف، انتهى ما أردت نقله من كلام الحافظ محمد بن عبد الهادي - رحمه الله -.

فتأمل ما أورده في الفصل من الأحاديث التي قد تواترت كثرة وصحة، فاتبعت ما ذكره في هذا الفصل بما ستقف عليه، قال أحمد - رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله ـ تعالى ـ يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

وذكر صاحب المغني - رحمه الله -، عن الإمام أحمد في هذه المسألة، ثلاث روايات، رواية الوجوب، ذكرها بصيغة التمريض، وضعفها شيخ الإسلام، وصاحب الفروع وغيرهما، قال في المغنى: وروى عنه أن الناس تبع للإمام، وعنه رواية ثالثة:

لا يجب صومه، ولا يجزيه عن رمضان إن صامه، قال: وهو قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي، ومن تبعهم، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت