الصفحة 89 من 214

قلت: وحديث أبي هريرة صريح في الأمر بإكمال شعبان، إذا غبي الهلال ليلة الثلاثين، كما تقدم في كلام الحافظ، ولو لم يكن في هذه المسألة إلَّا هذا الحديث، لتعين الأخذ به والعمل، لصراحته وصحته، فهذا حكم من النبي - صلى الله عليه وسلم - أرشد أمته وأمرهم به، فقال في الإنصاف: وإن حال دون منظره سحاب أو قتر ليلة الثلاثين، وجب صيامه عند الأصحاب، وهو المذهب، وهو من المفردات، وعنه: لا يجب صومه قبل رؤية الهلال، وقبل إكمال شعبان ثلاثين.

قلت: وهذه الرواية التي ذكرها في المغني بقوله: وعنه لا يجب صومه وفاقًا للثلاثة، وأكثر العلماء، قال في الإنصاف، قال الشيخ تقي الدين: هذا مذهب أحمد الصحيح الصريح عنه، وقال: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة، انتهى. قال: ورد في الفروع جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب وقال لم أجد عن أحمد صريحًا في الوجوب، ولا أمر به، ولا يتوجه إضافته إليه، قلت: فأنكر صاحب الفروع على كثرة اطلاعه، على جميع ما صنف في مذهب أحمد قبله، أن يضاف إلى الإمام أحمد القول بوجوب صيامه، وحسبك بصاحب الفروع.

وللقائلين بالمنع من صيامه أن يحتجوا بما تقدم، ويقول الله ـ تعالى ـ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] فلم يتعبد عباده بصيامه إلاَّ عند شهود الشهر، وشهوده إنما هو رؤية هلاله بلا ريب، ومما يحتج به البراءة الأصلية، وهي أن الأصل بقاء شعبان، وأما تأويلهم ما في حديث عبد الله بن عمر «فاقدروا له» بمعنى ضيقوا له، فهذا تأويل ضعيف جدًا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين معنى هذه الكلمة، وأن معناها إكمال الثلاثين، كما تقدم ذلك صريحًا في كلام الحافظ، وقد قال في الإنصاف، لما ذكر رواية أنه لا يجب صومه، قال واختار هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل، ذكره في الفائق، واختارها صاحب التبصرة، واختارها الشيخ تقي الدين وأصحابه، منهم صاحب التنقيح والفروع والفائق وغيرهم، وصححه ابن رزين في شرحه، قلت: وصاحب التنقيح الذي ذكره الحافظ: محمد بن عبدالهادي.

وقال صاحب الإنصاف: وعنه صومه منهي عنه، قال في الفروع: واختاره أبو القاسم بن مندة الأصبهاني، وأبو الخطاب وابن عقيل وغيرهم، فعلى هذه الرواية، قيل يكره صومه، وقيل: النهي للتحريم، ونقله حنبل، وذكره القاضي، قلت: ورواية حنبل بتحريم صيامه، هو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فإن قوله: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» أمر منه - صلى الله عليه وسلم - بإكمال شعبان والأمر بالشيء نهي عن ضده، وتقدم حديث عمار وغيره.

وكل من ذكره صاحب الإنصاف من أئمة الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وابن رزين، وابن مندة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجميع أصحابه، كهلم قد تركوا القول بالوجوب، وضعفوه، واختاروا الكراهة لصومه أو تحريمه، فوافقوا الأئمة في المنع من صيامه، وصححوا هذه الروايات عن الإمام أحمد، وبعضهم منع من نسبة القول بوجوبه إلى الإمام أحمد، كشيخ الإسلام وصاحب الفروع، فتوجه إنكار ذلك على من نسبة إليه من جهلة المتعصبين.

وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: قال العلماء في معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، قال الترمذي لما أخرجه: والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام، قبل دخول رمضان بمعنى رمضان، انتهى. قال شارح العمدة: والمعتمد كما قال الحافظ ابن حجر، أن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، قال الروياني من الشافعية بتحريم تقدم رمضان بيوم أو يومين، لحديث الباب، قال الشارح قلت: ونعم ما قال، لأن النهي يقتضي التحريم انتهى.

وقال العلامة ابن القيم: فصل: وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يدخل في صوم رمضان، إلاَّ برؤية متحققة، أو بشهادة شاهد واحد، كما صام بشهادة ابن عمر، وصام بشهادة أعرابي واعتمد على خبرهما، ولم يكلفهما لفظ الشهادة، فإن كان ذلك إخبارًا، فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد، وإن كان شهادة فلم يكلف الشاهد لفظ الشهادة، فإن لم تكن رؤية ولا شهادة، أكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا ثم صام، ولم يكن يصوم يوم الإغماء، ولا أمر به، بل بأن يكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم، وكان يفعل كذلك، فهذا فعله، وهذا أمره، ولا يناقض هذا قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له» فإن القدر هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال، كما قال: «فأكملوا العدة» والمراد بالإكمال: عدة الشهر الذي غم، كما قال في الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري «فأكملوا عدة شعبان» وقال: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» فالذي أمر بإكمال عدته، هو الشهر الذي يغم عند صيامه، وعند الفطر منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت