الصفحة 90 من 214

وأصرح من هذا قوله: «الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة» وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه، وإلى آخره بمعناه، فلا يجوز إلغاء ما دل عليه لفظه، واعتبار ما دل عليه من جهة المعنى، وقال: «الشهر ثلاثون، والشهر تسع وعشرون، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» وقال: «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال دونه غياية فأكملوا ثلاثين» وقال: «ولا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا، ولا تصوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة» قالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته ويفطر لرؤيته، فإن غم عليه أكمل شعبان ثلاثين يومًا ثم صام، صححه الدارقطني وابن حبان، وقال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرويته، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين» وقال: «لا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له قدره» وقال: «لا تقدموا رمضان» وفي لفظ: «لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم أو يومين، إلاَّ رجلًا كان يصوم صيامًا فليصمه»

والدليل على أن يوم الإغماء داخل في النهي، حديث ابن عباس رفعه «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت غياية فأكملوا ثلاثين» ذكره ابن حبان في صحيحه، وهذا صريح في أن صوم يوم الإغماء من غير رؤية ولا إكمال ثلاثين، صوم قبل رمضان، وقال: «لا تقوموا الشهر إلاَّ أن تروا الهلال أو تكملوا العدة» وقال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا» قال الترمذي: حديث صحيح. وفي النسائي من حديث يونس، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس رفعه: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يومًا ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يومًا، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا عدة شعبان» وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: تمارى الناس في هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم، وقال بعضهم: غدًا، فجاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر أنه رآه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «تشهد ألاَّ إله الله، وأنَّ محمدًا رسول الله؟» قال: نعم، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالًا فنادى في الناس: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يومًا، ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يومًا.

وكل هذه الأحاديث: صحيحة، بعضها في الصحيحين، وبعضها في صحيح ابن حبان والحاكم وغيرهما، وإن كان قد أعل بعضها، فلا يقدح في صحة الاستدلال بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، وكلها يصدق بعضها بعضًا، والمراد منها متفق عليه، وهذا بحمد الله هو العلم الذي يعرفه العلماء من أهل السنة والجماعة، الذين يعرفون بالعمل ويعرف بهم، وقد حفظوه بحمد الله على من بعدهم، لكن لا يهتدي له إلاَّ من ألهمه الله رشده ووقاه شر نفسه.

وأما الذي أسف عليهم هذا الرجل المتقدم ذكره ـ عثمان بن منصور ـ من أشباهه، فإنهم من جهلهم وضلالهم: ينكرون هذه الدعوة الإسلامية، والملة الحنيفية، حسدًا وبغيًا، وظلمًا وجهلًا وعنادًا، وهم فلان، وفلان، فالحمد لله على معرفة الخطأ من الصواب، والتمسك بالسنة والكتاب.

وأما ما احتج به بعضهم: من أن بعض الصحابة صام يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في مطلع الهلال غيم أو قتر، فالجواب عنه من وجوه: أما ما ذكره عن ابن عمر: أنه صامه، فإنه لم يوجبه، ولا قال أحد أنه قال بوجوبه، الوجه الأول: أنه قد صح عنه الحديث بلفظ: «فاقدروا له ثلاثين يومًا» والحجة فيما روى لا فيما رأى، الوجه الثاني: أن قول الصحابي حجة عند بعض العلماء، كالإمام أحمد ما لم يخالفه غيره من الصحابة، فإن خالفه غيره فليس بحجة عند الجميع، فكيف إذا خالف نصوص الأحاديث، والمرجع فيما اختلفوا فيه إلى الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن كان أسعد بالدليل فهو المصيب، وقوله هو الحق، والعمل على ما وافق الدليل، وهذا هو الذي أمرنا الله به وفرضه علينا، كما قال ـ تعالى ـ: {? ? ? ? ? ? ? وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [النساء: 59] وبهذه الآية العظيمة ختمنا الجواب، لما فيها من فصل النزاع في كل دعوى ادعى بها كل مدع، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت