الصفحة 91 من 214

قال ابن رجب في كتابه (اللطائف، في المجلس الثالث في صيام آخر شعبان) بعد كلام له على حديث عمران بن حصين، في صيام آخر شعبان، له ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصام بنية الرمضانية احتياطيًّا لرمضان، فهذا منهي عنه. والثاني: أن يصام بنية النذر، أو قضاء، أو كفارة، أو نحو ذلك، فجوزه الجمهور، ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم. والثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق، فكرهه من أمر بالفضل بين شعبان ورمضان بالفطر ـ إلى أن قال ـ وفرق الشافعي، والأوزاعي، وأحمد وغيرهم، بين أن يوافق عادة أو لا ـ إلى أن قال ـ ولكراهة التقدم قبله، لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه، كما نهى عن صيام يوم العيد لهذا المعنى، حذرًا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم، وكان من السلف من يتقدم للاحتياط، والحديث حجة عليه ـ إلى أن قال ـ المعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل، فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل، مشروع إلى آخر كلامه.

وأجاب أيضًا: ولا يخفى أن صيامه من مفردات مذهب الإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - نفي أن يكون الإمام أحمد أوجبه، وقال: ليس في كلام أحمد ما يدل على وجوبه، وقال: يحتمل الاستحباب والإباحة، وللإمام الحافظ محمد بن عبد الهادي مصنف ذكر فيه ما ورد فيه من النهي عن صيامه، وذكر في بعض روايات ابن عمر: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» وذكره عن ابن عمر أيضًا مرفوعًا، وهذا يدل على المنع من صيامه، والأحاديث صحيحة مقطوع بصحتها.

والمنع من صيامه هو اختيار شيخنا: محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ ومن أخذ عنه، وينهون عن ذلك لوجوه أربعة: الأول: أن تلك الليلة من شعبان بحسب الأصل، ولا تكون من رمضان، إلَّا بيقين. الوجه الثاني: النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومن صام فقد تقدم رمضان. الوجه الثالث: الأحاديث التي فيها التصريح بالنهي عن صيامه، وذلك قوله: «فأكملوا العدة ثلاثين» وفي بعضها تخصيص شبعان. الوجه الرابع: حديث عمار: من «صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» .

وسئل أيضًا عن قوله: إذا حال دون منظره غيم أو قتر، ويستدل بقوله في الحديث: «فإن غم عليكم فاقدروا له» ويقول: إن القدر التضييق، مثل قوله: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ} [الطلاق: 7] وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صامه، وصامه بعض الصحابة.

فأجاب:

هذا القول أخذ به بعض الحنابلة، وبعضهم مع الأئمة الثلاثة، وأكثر العلماء لا يقولون بوجوبه ولا باستحبابه، قال في الإنصاف: وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه، وعنه: لا يجب، قال الشيخ: هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، ولا أصل للوجوب في كلامه، ولا كلام أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - أنه صامه، إلَّا عبد الله بن عمر احتياطًا، قاله ابن القيم، وذكر أن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنكر عليه صيامه، قال الحافظ محمد ابن عبد الهادي ـ رحمه الله تعالى ـ: وقد روى من غير وجه مرفوعًا: النهي عن صوم الشك، منهم حذيفة وابن عباس، ونص الإمام أحمد في رواية المروذي: أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم الشك، وهذا القول صحيح بلا ريب.

قال الحافظ: وليس في الحديث الذي استدل به المتأخرون دليل على وجوبه أصلًا، بل هو حجة على عدم الوجوب، فإن معنى أقدروا: احسبوا له قدره، وذلك بثلاثين يومًا، فهو من قدر الشيء وهو مبلغ كميته، ليس من الضيق في شيء، والدليل على ذلك، ما في صحيح مسلم عن ابن عمر: «فإن أغمي عليكم فاقدروا ثلاثين» أي فأكملوا العدة ثلاثين، وابن عمر هو الذي روى حديثهم الذي احتجوا به، وصرح في هذه الأحاديث بمعناه، وهو إكمال شعبان ثلاثين.

واستدل الأئمة على تحريم صيامه بحديث عمار، وهو ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي، عن طلحة بن زفر، قال: كنا عند عمار بن ياسر، وأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -، قلت: وهذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع، وقد جاء صريحًا في حديث أبي هريرة: الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين إذا غبي الهلال، وهو عند البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، أو قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت