الصفحة 92 من 214

قال الحافظ وهذا الحديث لا يقبل التأويل، وذكر أحاديث كثيرة، منها: ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم رمضان لرؤيته، فإن غم عليه أتم ثلاثين يومًا ثم صام، وهذا صريح في أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يشرع لأمته صيام الثلاثين إذا غم الهلال ليلته، فهذا وغيره من الأحاديث، بين أن الحجة مع من أنكر صيام ذلك اليوم إذا غم الهلال ليلته، وأن السنة: إكمال شعبان ثلاثين إذا لم ير الهلال، وهو اختيار شيخنا: محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -.

وأجاب أيضًا: وما ذكرت أن «مرعي» له رسالة في تصحيح صوم يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دون منظره غيم أو قتر، فلا يجوز أن الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد تترك، لقول مقلد بلا حجة ولا برهان، وأن هذا يصير هو العلم وأن ما قرره الحفاظ المحققون بالأدلة، يقدم عليه قول مرعي ومن فوقه، أو دونه.

وأجاب أيضًا: وما ذكرت أن مرعي صحح صيام يوم الشك من رمضان، فعجبًا لك، كيف يمكن مرعي أو غيره يصحح ما قد ثبت فيه من رواية عمار بن ياسر: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم، والحديث الذي في الصحيح «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» وحديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» فأمر - صلى الله عليه وسلم - بإكمال شعبان مع الإغماء، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وسياق الحديث الثاني في شعبان، وعمومه يتناول غيره من الشهور، كشهر ذي الحجة والمحرم، والكلام في هذا المحل يطول.

وأيضًا: كيف يوزن مرعي بشيخ الإسلام، وابن مفلح صاحب الفروع، والحافظ محمد بن عبد الهادي، وهم المحققون المتبعون، والحجة معهم، فلهذا لا يسع أحدًا يترك ما حققوه بالدليل، ويميل إلى غيرهم، وفي الشرح الكبير والمغني، ما ينصر قول هؤلاء الأئمة والحفاظ، فسبحان الله ما أكثر من ضل فهمه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وقال ابنه الشيخ عبد اللطيف: ـ رحمهما الله تعالى ـ في رده على عثمان بن منصور، قال: وأما قوله في مسألة صوم يوم الثلاثين، إذا حال دون المنظر غيم أو قتر، وزعمه أن هذه المسألة سلكها إمام السنة، إلى آخر ما قال في مدح الإمام أحمد، فيناقش أولًا في اللفظ ويقال، قوله: هذه المسألة سلكها إمام السنة، عبارة نبطية ليست بعربية، فإن المسألة لا تسلك، إنما يسلك الطريق، والمذهب ونحوهما، ثم مدح الإمام أحمد، وقول أبي داود وغيره في تفضيله، والثناء عليه كله حق، لكن لا يفيد هنا، ولا يدل على أنه لا يقول إلاَّ صوابًا، فإن هذا لا يثبت إلاَّ للمعصوم وقد أفتى رحمه الله في مسائل معروفة، ورجع عنها، كالمنع من القراءة عند القبر، ولا يدعى عصمته من يعقل.

وأيضًا: فأتباع الأئمة يوردون في فضل أئمتهم مثل هذا، والمخالف يورد في فضل من لم يصم هذا اليوم ما هو أبلغ. فإن جمهور الصحابة والتابعين لم يصوموا، فإن كان هذا حجة، فهم أسعد بها للقوة والكثرة، وإن لم يكن حجة، فهذه المقدمة التي قدمها في مدحه، لا دليل فيها على محل النزاع كما هو ظاهر، ثم الخصم لا يسلم لكم أن أحمد قال بالوجوب، وليس معكم من الأدلة على ذلك دليل يجب التسليم له.

وسيأتيك نقض أدلته، ومعارضتها دليلًا دليلًا، وقد ذكر عن أحمد في هذه المسألة سبع روايات، تأتيك إن شاء الله مفصلة، كل رواية قال بها طائفة واحتجوا لها، وترجيح من قال بالوجوب، ليس دليلًا على من قال بالجواز ورجحه، أو الإباحة ورجحها، أو التحريم ورجحه، ولا يحتج بقول على قول، والحجة في الدليل، ومع من منع صومه من الأحاديث النبوية، التي تعددت طرقها، ما لا يدفعه دافع، ولا يقاومه مقاوم، ولا يعارضه معارض، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.

ونبدأ أولًا: بذكر الأحاديث النبوية، الواردة في خصوص هذه المسألة، ثم نأخذ في نقض أدلة الخصم مفصلة.

فمنها: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أمير المؤمنين في الحديث، شعبة بن الحجاج، قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» كذا رواه الإمام أبوعبدالله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، وكفى به حجة، وهو صريح في إكمال شعبان ثلاثين، وهو غير قابل للتأويل بوجه، بل هو فاصل للنزاع في المسألة، فأي عذر يبقى في ترك العمل بهذا بعد بلوغه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت