فهرس الكتاب
وكلُّ نشاط للمؤمن، يعدل أجرَ الجهاد، متى توجَّه القلب به إلى الله، حتَّى الحاجات اليومية من نوم وطعام وشراب، تتحوَّل إلى عبادات متى ذَكَرَ الله ونَوى أن يتقوَّى بها على طاعته وعبادته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» (أخرجه أحمد والطبراني والقضاعي عن فضالة بن عبيد مرفوعًا) ، وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ الآية ثم قال: (إن الرجل ليجاهد في الله تعالى وما ضرب بسيف) .
وبعد كلِّ هذا نستطيع الخروج بنتيجة مُفادُها أن الجهاد في الإسلام ليس مجرد لقاء بين عدوَّين يريد كلٌّ منهما الغدر بالآخر والوقيعة به لكسب المعركة لصالحه؛ بل هو صراع بين الخير والشرِّ، بين الفضيلة والرذيلة، بين الهداية والضلالة، بين العلم والجاهلية.
لقد أتى رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدنيا بهذه الهدية الربَّانية، فمن قَبِلها طائعًا مختارًا عن قناعة فيها ورضًا بمحتواها فقد رشد، ومن رفضها استكبارًا واعتزازًا بالإثم والجاهلية، ومنع إيصال هديَّة الله إلى عباده الَّذين يريدونها، فقد وجب على أمناء هذه الهديَّة، إزاحة هذا المنع، الَّذي يحول دون وصول الهديَّة المقدَّسة إلى عباد الله.
إن هذا الكلام كان حقيقة ماثلة للعيان عبر تاريخ الإسلام الحافل بمآثر الرقي والتهذيب، الَّذي حمله المسلمون لإخوتهم في الإنسانية، والتاريخ خير شاهد على أن المسلمين ما قاتلوا يومًا من الأيام لانتزاع لقمة العيش من أفواه غيرهم، كما فعل المستعمرون المستكبرون في شعوب الأرض، إنما خرجوا محرِّرين لإخوانهم من الظلم الَّذي كانوا يرزحون تحت وطأته، وهادين إيَّاهم إلى موارد الخير الَّتي وردوها، فسعدوا بعد شقاء، واغتنوا بعد فقر، وتعلَّموا بعد جهل، واهتدوا بعد ضلال، وتوحَّدوا بعد فرقة، وتآخوا بعد عداوة، إنه الإسلام دين الحياة الآمنة المطمئنَّة على هذه الأرض، ومن ورائها حياة أبدية في نعيم يجلُّ عن الوصف.