فهرس الكتاب
كثيرًا ما لجأت الجماعات البشرية وعلى مرِّ العصور إلى الحرب؛ وذلك عندما وجدت فيها حلًا لبعض المشاكل الَّتي تستعصي على الحلول السلمية. فكان القتال ضرورة مُلِّحة لتحقيق بعض المآرب الَّتي ترمي إليها من وراء تلك الحروب، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية. بينما أُقِرَّ القتال في الإسلام لمنع الشرِّ والفساد، ولأجل سيادة الخير والصلاح، وجاء بيان القرآن فيه: أنه لولا أن يدفع الله شرَّ الأشرار بجهاد الأخيار لفسدت الحياة؛ وذلك لأن الحياة الإنسانية خضمٌّ من التناقضات والمتضادات، ففيها الحقُّ وفيها الباطل، وفيها الضعف وفيها القوَّة، وفيها العاقل الحكيم وفيها صاحب الهوى والشهوة، وهذه الطبيعة الازدواجية للحياة تجعل منها مسرحًا للتصارع بين القوى المتضادة المتشابكة. وقد فرض الله على المؤمنين الاستعداد والإعداد، لكي لا تتمكَّن قوى الشرِّ من إلحاق الأذى بهم، فإن كان للباطل جولة فللحقِّ جولات، وسنَّةُ الله أن يقذفَ بالحقِّ المقرون بالقوَّة على الباطل فيدمَغَه فإذا هو زاهق.
ولولا ما شرَّعه سبحانه من الجهاد وقتال المعتدين، في سبيل الحقِّ والعدل، والخير والإيمان؛ لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وتعطلت الشعائر، ولم يبقَ لليهود معابد، ولم يبقَ للنصارى بِيَع، ولا لرهبانهم صوامع، ولا للمسلمين مساجد، ولكن الله دَفع شرَّهم بإقرار القتال، وفي الوقت ذاته أمر بأن لا يخرج به المقاتلون عن إنسانيتهم، فحرَّم العدوان فيه، قال تعالى: {..ولا تعتدوا إنَّ الله لا يُحبُّ المعتدين} (2 البقرة آية 190) كما أمر بالجنوح إلى السلم إن جنح الأعداء إليه {وإِن جنحوا للسَّلمِ فاجْنَحْ لها...} (8 الأنفال آية 61) ، وأمر باحترام العهود حيث قال: {وأوفوا بعهدِ الله إذا عاهدتُمْ..} (16 النحل آية 91) .