الصفحة 1190 من 1412

ولمَّا تجاوز موقف المشركين مرحلة التنفير والإيذاء، إلى مرحلة التصفية الجسدية للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، أَذِنَ الله لِحَمَلةِ السَّلام والإخاء بالهجرة، فكانت الهجرة المؤقَّتة الأولى والثانية إلى الحبشة، ومن ثمَّ كانت الدائمة إلى المدينة حيث هاجر النبي عليه السَّلام ولحق بأصحابه الَّذين سبقوه إليها، بعد أن لاقَوا صنوفًا من الإيذاء قبلها وأثناءها، حيث لم يَسلموا من شرور المشركين، فصودرت معظم أموالهم وممتلكاتهم. وبعد هذه الهجرة استقرَّ المسلمون، وصار لهم معقلٌ يحتمون به ويتمكَّنون فيه من استمرارية مهمَّتهم في الدعوة إلى دين الله، وحينها فقط أُذن لهم بِرَدِّ كلِّ اعتداء يوجَّه ضدَّهم، وشُرِّع لهم حقُّ الدفاع عن النفس، وقتال من يقاتلهم. وجاء هذا التشريع في الوقت المناسب، لأن المسلمين كانوا في مكَّة قلَّة أمام المشركين، ولو أُمروا فيها بقتالهم لشقَّ ذلك عليهم، ولهذا لمَّا بايع أهل يثرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بيعة العقبة الثانية وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتان قالوا: «يارسول الله! ألا نميل على أهل الوادي ـ يعنون أهل منى ـ فنقتلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أُؤمَر بهذا» .

ولقد كانت الآية الكريمة: {أُذِنَ للَّذين يُقاتَلونَ بأنَّهم ظُلِموا وإنَّ الله على نصْرِهم لقدير} أوَّل ما نزل في مشروعية الجهاد، وبعد نزولها وغيرها من الآيات، ازداد يقين النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بأنهم على حقٍّ، وأنهم أُخرجوا من ديارهم وأموالهم ظلمًا وبغيًا بغير حقٍّ، إلا أن يقولوا ربُّنا الله، فمن حقِّ المظلوم أن ينتصر، ولهذا كانت أوَّل بادرة قام بها النبي صلى الله عليه وسلم لاسترجاع تلك الحقوق؛ أن عزم على اعتراض قوافل قريش ـ حصرًا ـ التجارية الَّتي تمرُّ بيثرب أثناء طريقها إلى مكَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت