فهرس الكتاب
إن الله يعطي الإذن للمسلمين بالقتال، وقد ضمن لهم النصر والدفاع عنهم، ومن كان الله مدافعًا عنه فهو ممنوع حتمًا من عدوٍّ ظاهر عليه، ففيم إذن يأذن لهم بالقتال؟ وفيم يَكتب عليهم الجهاد؟ وفيم يُقاتلون فيصيبهم القتل والجراح، والجهد والمشقَّة، والتضحية والآلام، والعاقبة معروفة، والله قادر على تحقيق النصر لهم بلا جهد ولا مشقَّة، ولا تضحية ولا ألم، ولا قتل ولا قتال؟ والجواب: أنه تعالى لم يشأ أن يكون حملة دعوته وحُماتها من الكسالى، الَّذين يجلسون في استرخاء، ثم يتنزَّل عليهم نصر الله سهلًا هيِّنًا دون عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصَّلاة ويرتِّلون القرآن، ويتوجَّهون إلى الله بالدعاء كلَّما مسَّهم أذى، أو وقع عليهم اعتداء. نعم، يجب أن يقيموا الصَّلاة، وأن يرتِّلوا القرآن، وأن يتوجَّهوا إلى الله بالدعاء في السرَّاء والضرَّاء، إلا أن هذه العبادة وحدها لا تؤهِّلهم لحمل دعوة الله وحِمايتها، إنما هي الزَّاد الَّذي يتزوَّدون به للمعركة، والسلاح الَّذي يطمئنُّون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل أسلحته، ويزيدون عليها بسلاح التَّقوى والإيمان والاتصال بالله تعالى. لقد شاء الله تعالى أن يتحقَّق دفاعه عن الَّذين آمنوا بواسطتهم هم أنفسهم، كي يتمَّ نُضجهم أثناء المعركة، فالطاقات المكنونة في البنية الإنسانية تتفجَّر وتتيقَّظ وهي تواجه الخطر، عندئذ تتحفَّز كلُّ خلية بكلِّ ما أُودِعَ فيها من استعداد لتؤدِّي دورها، وتتساند مع الخلايا الأخرى لتبذل آخر ما تقدر عليه، ولتصل إلى أكمل ما في قدرتها وما هي مهيَّأة له من الكمال. ولا يخفى أن النصر السريع الَّذي لا يكلِّفُ عناءً، يعطِّل تلك الطاقات عن الظهور، لأنه لا يحفزها ولا يولِّدها، يضاف إلى ذلك أن النصر السريع الهيِّن الليِّن يَسهُل التخلِّي عنه وضياعه، لأنه أوَّلًا رخيص الثمن لم تُبذل فيه تضحيات، وثانيًا لأن الَّذين نالوه لم تُدرَّب قواهم على الاحتفاظ به، فهي لا