فهرس الكتاب
وللنصر تكاليفه وأعباؤه، وقد تعهَّد الله بمنحه لمن ينصره من المؤمنين الَّذين إن تحقَّق لهم النصر، وثبت لهم الأمر، أقاموا الصَّلاة فعبدوا الله ووثَّقوا صلتهم به، واتجهوا إليه خاضعين مستسلمين، وأدَّوا حقَّ المال، وانتصروا على شُحِّ النفس، وتطهَّروا من الحرص، وغلبوا وسوسة الشيطان، وكانوا عَونًا لأممهم بإعانة فقرائهم، وذوي الحاجات منهم، وتعاونوا مع غيرهم فأفاضوا عليهم من علومهم وآدابهم، ومنعوا المفاسد الَّتي تعوق الوصول إلى الرقي الخُلقي والأدب السامي، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة، ليصلوا إلى قلوب الخلائق أملًا في هدايتها، وإلى عقولهم أملًا في إنارتها، وكانوا بذلك مثل الجسد الواحد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى» (متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ) .
من خلال هذا المنظور يمكن للمتتبِّع أن يتفهَّم حروب النبي صلى الله عليه وسلم مع خصومه طيلة العهد المدني من عُمْرِ الرسالة، ففي بدر لجأ إلى القتال، ولم يكن ذلك في خطَّته.. وفي معركة أحد بادر المشركون إلى الاعتداء، ووصلوا إلى ضواحي المدينة لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولأَخْذ ثأرهم لهزيمتهم في معركة بدر. وفي غزوة الخندق تحصَّن المسلمون في المدينة خلف خندقهم، وأُمروا بالاستتار ليأمنوا شرَّ أعدائهم دون إراقة الدماء. ولم يغزُ عليه السلام قومًا قط لم يَهمُّوا بغزوه أو يستعدُّوا لقتاله.