فهرس الكتاب
لذلك فقد نزل حكم الله تعالى فيه وفي أمثاله، بحجب الولاية عنهم، وحرمانهم من كلِّ ما يترتب عليها من العلاقات والالتزامات، فلا يؤخذ برأيهم ولا يحقُّ لهم المشاركة في الأُطُر القيادية، لأنهم لا يدورون في فلك المجتمع المسلم ولا يُسْلِمون قيادتهم إليه، ولهذا فلم تعد تربطهم به سوى رابطة الاشتراك الشكلي في العقيدة، وهذه وحدها لا تُلزم المجتمع المسلم بواجبات تجاههم، إلا في حالة واحدة، وهي أن يُعتَدى عليهم في دينهم، وحينها يتوجَّب على المسلمين أن ينصروهم؛ إذا طلبوا منهم الإغاثة والنصرة، شريطة ألا يتعارض ذلك مع العهود، الَّتي أخذتها الدولة المسلمة على نفسها، مع أي جهة من الجهات، حتَّى ولو كانت كافرة ومعتدية. وذلك لأن الأصل هو مصلحة المجتمع المسلم، ولها الأولوية في كلِّ التعاملات والعقود، والمحافظة على العهود والمواثيق هي السِّمة الأساسية للشريعة الإسلامية. وكان الأجدر بهذه الفئة أن تلتحق بالمجتمع الإسلامي لتقوم بدورها فيه، وتعيش في كنفه وحمايته، بدلًا من أن تجعل من نفسها ريشة في مهبِّ الريح، تتقاذفها أيدي الأعداء والمشركين، وتجعل من أمر حفظ حقوقها وكرامتها واجبًا ثقيل الوطأة على المجموعة الإسلامية.
إن الَّذين ثبت تقاعسهم عن الهجرة بدافع الحفاظ على المصالح الدنيوية، لا سيَّما في الأوقات الَّتي تستلزم فيها مصلحة المسلمين تماسكهم وتآزرهم، والتقاءهم جميعًا في مكان واحد، للقيام بأمر دينهم وتقويته، كما كانت عليه الحال في زمن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فإن مصيرًا آخر ينتظرهم في الآخرة، وهو الحبس والتضييق عليهم في جهنَّم، وما هذه إلا النهاية الحتمية الَّتي ارتضوها لأنفسهم، حين آثروا البقاء حيث هم، على اللحاق بالمسلمين والانضمام إليهم في مجتمعهم الجديد.