فهرس الكتاب
ولكنَّ الآية الكريمة تستثني منهم طائفة من المؤمنين منعتهم ظروف قاهرة حقيقية من الهجرة، وهم الشيوخ الضعاف والنساء والأطفال، فاضْطُرُّوا للبقاء في دار الكفر، لأنهم لم يجدوا سبيلًا للهجرة إلى حيث يأمنون على دينهم وعقيدتهم من العبث والاضطهاد، فهؤلاء يمدُّ الله لهم حبل الرجاء ليتمسَّكوا به، فهو إن شاء غفر لهم وإن شاء عذَّبهم؛ على الرغم من أعذارهم. فالأمر متعلِّق بمشيئة الله، كي لا يتهاون أي امرئٍ في تفضيل التراخي والراحة، على تحمُّل المشاقِّ والتضحية في سبيل الله، إلا أن الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة، ورحمته قد سبقت غضبه بل ووسعت كلَّ شيء.
والله ـ جلَّ وعلا ـ عالم بطبيعة النفس البشرية وما يعتريها من خوف أو ضعف أو جُبن بشأن الهجرة، فقد تشقُّ على بعض الناس، بسبب خوفهم من مشقَّات الطريق أو تَرصُّد الأعداء لهم، فيطمئنهم الله سبحانه بوعده لهم بأن من يهاجر في سبيله، لا من أجل مصلحة خاصَّة أو غرض دنيوي، فإنه سيفتح أمامه سُبل السَّلام والأمان، وسيهيِّئ له أرضًا واسعة تغنيه عن ضيق أرضه، ورزقًا وافرًا يعوِّضه عما تركه في دياره، وإذا خرج مهاجرًا وأدركه الموت، فإن أجره على الله، وسيقبل هجرته ويرفعه إلى مقام المهاجرين الحقيقيين.
وليست الهجرة أمرًا خاصًّا بالمسلمين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب، بل هي عامَّة تسري قواعدها إلى آخر الزمان. فالهجرة من الديار الَّتي مُنعت فيها حرِّية العبادة فرضٌ في كلِّ زمان ومكان، فلا يحقُّ للمؤمن أن يتراخى في داره بحجَّة أنه ممنوع من ممارسة عباداته، وهو إنْ هاجر فإنَّ أمامه فتحًا روحيًا وإيمانيًا وأخلاقيًا، وعطاءً إلهيًّا في دينه ودنياه.