فهرس الكتاب
ولا يقتصر معنى الهجرة على أن يهاجر الإنسان من بلد إلى بلد فحسب، فالهجرة تعني هجر كلِّ ما نهى الله عنه من سيِّء الأقوال والأفعال، وهجر أهل السوء وأماكن الفساد، وأن يهاجر المرء إلى الله ورسوله متحرِّرًا من ربقة الهوى واستعباد المادَّة، متطلِّعًا إلى عالم الروح حيث الاتساع والانفساح، والسمو والارتقاء، وحيث ينخلع القلب من حبِّ الدنيا ويعمره حبٌّ واحد، هو حبُّ الله وحبُّ أحبابه، والبقاء في دائرتهم والهجرة إلى مجالسهم، حيث تتآلف القلوب وتتشابك الأيدي على العمل الصالح. وهكذا فإن على المؤمن أن يبقى دائمًا في حالة مراقبة لإيمانه، ومتابعة لمؤشِّره الروحي، ليكون في زيادة لا في نقصان.
وفي حال شعوره بالتراجع عن العبادات والطاعات، فعليه أن يتحرَّى أسباب ذلك ليُجري عملية تغييرٍ فوريةٍ سواء في محلِّ إقامته أم في عاداته، وأن يحيط نفسه بأجواء نقيَّة طاهرة، تزيده عزمًا وصلابةً في عقيدته، وحبًا للخير المطلق.
إن الهجرة فُرِضَتْ على المسلمين لترك دار الجاهلية والضلال، إلى دار المعرفة والهداية، فإذا لاحظنا هذا المعنى، وجدنا أنَّ كلَّ مَنْ كانت حالتُه مثلَ حالتهم، وجبت عليه الهجرة، وهي واجبة الآن على كلِّ مسلم ليس له معلِّمٌ يعلِّمه، ولا مرشد له يهديه سواء السبيل. إنَّ على المسلم الآن أن يبحث عن مرشدٍ عارفٍ بالله يأوي إليه، ليجد عنده متطلَّبات الإيمان الضرورية، وهي علم الكتاب والسنَّة، وتزكية النفس وتنوير العقل بالحكمة؛ وهي الأمور الثلاثة الَّتي تشكِّلُ العلم الَّذي أورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالأنبياء لم يورِّثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر.