فهرس الكتاب
يستغفر» (أخرجه البغوي وأخرجه ابن حجر في تغليف التعليق) ، والحكمة في هذا أن الله لم يخلق الناس لتعذيبهم، بل خلقهم لتربيتهم وتهذيبهم، وإمهالهم للتوبة قبل محاسبتهم.
ثمَّ تحين ساعة الرحيل بالموت، الَّذي هو أشدُّ ما يحاول المخلوق البشري أن يتناساه، ولكن أنَّى له ذلك والموت طالب لا يملُّ الطلب ولا يخلف الميعاد؟: {وجاءَتْ سَكْرَةُ الموتِ بالحقِّ} . وهذا التعبير يوحي بأن النفس البشرية ترى الحقَّ كاملًا وهي في سكرات الموت، تراه بلا حجاب، وتدرك ما كانت تجهل منه وما كانت تجحد، ولكن بعد فوات الأوان. إنها حقيقة واقعة مهما حاول الإنسان أن يتعامى عنها أو يتجاهلها، فإنه لابُدَّ أن يأتيه يوم، ينكشف فيه غطاء بشريته، ليرى لحظة خروج روحه من جسده، وأن كلَّ ما حادَ عنه جهلًا وعُتُوًّا، أصبح اليوم أمرًا واقعًا وحقيقة ماثلة فيندم، ولاتَ ساعة مندم.
وبعدها تنقلنا الآيات نُقْلة سريعة إلى يوم الحساب والجزاء، وما يسبقه من النفخ في الصور إيذانًا بحلول هذا اليوم العصيب، الَّذي توعَّد الله الكفار أن يعذِّبهم فيه أشدَّ العذاب، ووعد المؤمنين المتَّقين أن يثيبهم فيه خير الثواب.
ففي هذا اليوم تأتي كلُّ نفس ربَّها عزَّ وجل، ومعها سائق من الملائكة يسوقها إليه، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شر، وهو مَشهدٌ أشبه بالسَّوق إلى المحاكمة، ولكن في محكمة قاضيها خالق الكون. وهناك يقال للإنسان: لقد كنت في غفلة عن عالم الآخرة، فجلَّينا لك ذلك، وأظهرناه لعينيك حتَّى رأيته وعاينته فزالت عنك هذه الغفلة، فأبصرت ما لم تكن تبصره من الحق.
والخلاصة: إنَّ الله سبحانه مُطَّلع على السرائر، ولا يَعْزُبُ عن علمه مثقال ذرَّة، وإن الإنسان مراقَب في أعماله كلِّها لتُقام عليه الحُجَّة، وأن الموت حقٌّ والبعث حقٌّ والحساب حقٌّ، وأن لحظة الموت هي اللحظة الَّتي تتجلَّى فيها الحقيقة للإنسان دون لَبْسٍ ولاشك.
آل عمران (3)