فهرس الكتاب
أما شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها محقَّقَة وثابتة، وقد ورد في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: «آتي تحت العرش وأخِرُّ لله ساجدًا، ويُفْتَحُ علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني ثمَّ يقول: يامحمَّد! ارفع رأسك وقل تُسمع، واشفع تُشفَّع، قال: فيحدُّ لي حدًا فأدخلهم الجنَّة ثمَّ أعود» (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ) .
إن النَّاس بأعمالهم الَّتي قدموا بها، وبِحَيْرتهم وشدَّة قلقهم لا يخفون عن بصر الله، فهو يعلم أحوالهم، ولا تخفى عليه خافية من أمورهم، دون أن يعلموا عن ذات الله شيئًا. قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {وعنَتِ الوجوهُ للحيِّ القيُّوم} : (في هذا اليوم ترى الخلائق قد ذلَّت وخضعت واستسلمت لربِّها الحيِّ الَّذي لا يموت، القائم على خلقه بتدبير شؤونهم، وتصريف أمورهم، وخصَّ الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة، ولأن آثار الذلِّ أو الغبطة والسرور تظهر عليها بشكل خاص) . في ذلك اليوم يُحرم من الثواب من وافى الموقف وهو مشرك بالله، كافر بأنبيائه، تارك لأوامره، منغمس في معاصيه، فتراه ينتظر بلهفةٍ أيَّ شافع لينقذه، وما كان ليُنْقَذَ {وقد خاب من حمل ظلمًا} . أما من عمل صالح الأعمال على قدر طاقته، وهو مؤمن بربِّه ومصدِّق لرسله وما أَنزل عليهم من كتبه، فلا يخاف من الله ظلمًا بأن يحمل سيئات غيره، ولا يخاف أن يهضمه حسناته فينقصه ثوابها.
وهكذا يخيِّم الجلال على الموقف كلِّه، ويسوده الصمت والرهبة والخشوع؛ فالكلام همس، والسؤال تخافت، والخشوع مهيمن، والوجوه عانية، وجلال الحيِّ القيوم يغمر النفوس بالجلال الرزين، ولا شفاعة إلا لمن ارتضى الله قوله، والعلم كله لله، وهم لا يحيطون به علمًا. والظالمون يحملون ظلمهم فيلقون الخيبة، والَّذين آمنوا مطمئنون، لا يخشون ظلمًا في الحساب ولا هضمًا لما عملوا من الصالحات.
سورة لقمان (31)