فهرس الكتاب
في مثل هذا الموقف الَّذي يقف النَّاس فيه بين يدي الله يوم الدينونة الكبرى، يبحث الإنسان عن يد تنقذه أو شفيع يشفع له. فلا يجرؤ أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن من الله، ولمن ارتضى من الشفعاء، الَّذين يُشرَّفون بالشفاعة في ذلك الموقف العظيم، الَّذي يهيمن فيه الجلال الإلهي؛ فيشفعون على اختلاف درجاتهم، من الرسل والصدِّيقين والشهداء والصالحين، الَّذين اصطفاهم الله من كلِّ عصر وجيل، منذ أن خلق آدم عليه السَّلام وإلى قيام الساعة. فتكون تلك الشفاعة من أعظم المنح الَّتي يهبها الله للمؤمنين، لكنَّها مرهونة بأمره كما قال في مُحْكَم تنزيله: {يعلمُ ما بين أيديهِم وما خلْفَهم ولا يشفعونَ إلاَّ لمنِ ارتضى وهم من خَشْيَتِهِ مشفِقُون} (21 الأنبياء آية 28) .
فعندما يعلم المؤمن أن الشفاعة غالية، ولا يُلقَّاها إلا ذو حظٍّ عظيم شافعًا كان أو مشفوعًا له يمتلئ قلبه من خشية الله، فتعتريه مشاعر الخوف والرجاء، والحبِّ والتعظيم. فتارة ينتابه شعور الخوف من التقصير، لأن أعماله مهما بلغت فإنها لا تعادل المكافأة العظيمة الَّتي أعدَّها الله له وهي الجنَّة، ما لم تُدْرِكْهُ رحمة الله، وما لم يشمله بفضله وإحسانه. وتارةً أخرى يزداد أمله بالنجاة، لاعتقاده بأن الله يقبل في ذلك اليوم شفاعة الأنبياء، لكلِّ من أحبَّهم، وسار في الحياة الدُّنيا على خطاهم.
وهكذا يتبيَّن مما سبق أن الشفاعة لا تنفع المشفوعَ له إلا بشرطين:
1 ـ أن يكون الشافع ممن له كرامة عند الله عزَّ وجل بما قدمه من صالح العمل في الدار الدُّنيا.
2 ـ أن يكون المشفوع له مؤمنًا بالله موقنًا بتقصيره، متَّكلًا على فضل الله وسعة رحمته، وطامعًا بمغفرته طالبًا لها بلسانه وقلبه.