فهرس الكتاب
تشدُّنا هذه الآيات إلى المستقبل غير المنظور، وكأنَّنا نشاهد عَرْضًا وثائقيًا يرصد لنا أحداث المستقبل، ولنعيش أجواء القيامة وكأنها تحدث الآن. فإذا أزِفت الساعة، أو إذا صحَّ التعبير: عندما تحين ساعة الصفر؛ ساعة الموعد الإلهي، يجتمع النَّاس منذ وجدت الخليقة وإلى قيام الساعة، ليحاسب كلُّ امرئ بما كسبت يداه، قال الله تعالى: {يومَ ترجُفُ الرَّاجفة * تَتْبَعُها الرَّادِفة * قلوبٌ يومئذٍ واجفة * أبصارُها خاشعة * يقولونَ أإنَّا لمردودونَ في الحافرة * أإذا كنَّا عِظامًا نَخِرة * قالوا تلكَ إذًا كَرَّةٌ خاسرة * فإنَّما هي زجرَةٌ واحدة * فإذا هم بالسَّاهرة} (79 النازعات آية 6ـ14) . أجل يُحشر النَّاس يوم القيامة إلى عالم جديد هو عالم الساهرة، الَّذي هو أرض المحشر الشاسعة، في ذلك اليوم العصيب يتَّبِعُ النَّاس داعي الله، فيأتونه سِراعًا لا يزيغون عنه ولا ينحرفون، وفي هذه اللحظات الحاسمة، وعندما يدرك الإنسان أن ما كان ينكر وقوعه قد أصبح حقيقة ماثلة أمامه، وأن ما تهرَّب منه أصبح واقعًا به لا محالة، عندها يسكت لسانه ولا يسمع إلا صوت نبضات قلبه تدقُّ بشكل عنيف. ولا يسمع إلا صوت حركة الأقدام، وهمس الشفاه تعلوها تساؤلات واستفهامات، وترتسم عليها علامات الدهشة، مَنْ بعثنا مِنْ مرقدنا، وإلى أين المصير؟ هذا ما وعد الرحمن، وصدق المرسلون، لقد خفتت الأصوات وسكنت، هيبةً من الرحمن جلَّ وعلا، وحقَّ لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه، ويخفت صوته.