الصفحة 1264 من 1412

وانطلاقًا من هذه الحقيقة فإن القرآن الكريم يوجِّه نداءه إلى الجنس البشري ليتَّقي الله، ويُعِدَّ العُدَّة ليوم رهيب عصيب، كما وصفه الله تعالى بقوله: {فكيف تتَّقونَ إن كَفَرتُمْ يومًا يَجْعَلُ الوِلدانَ شيْبًا * السَّماءُ مُنْفَطِرٌ به كان وعدُهُ مفعولًا} (73 المزمل آية 17ـ18) . إن الأمور كلَّها بيد من لا يُغالب، ولا تجدي عنده إلا وسيلة واحدة هي الإيمان والعمل الصالح، ويؤكِّد أن مجيء هذا اليوم حقٌّ، لأن الله قد وعد به ولا خُلف لوعده. ثمَّ يحذِّرنا الله تعالى من أن ننخدع بزخرف الحياة الدُّنيا، وزينتها ولذائذها، فنميل إليها بكلِّيتنا، وتصبح طِلْبَتَنا وغايتنا الَّتي نسعى إليها، ونصبح مطيَّة لها، فتضطرب عندنا المعايير الأخلاقية، وننجرف في غرور الوهم وإغراء المعاصي، نعيش مخدوعين بأوهام الأماني الكاذبة، فلا نتَّخذ للآخرة زادًا ولا نرجو معادًا، متوهِّمين القوَّة في مال زائل أو علم باطل أو سلطان خادع، والحقيقة أن هذه الأمور وأشباهها عملة محليَّة، فإذا صرنا إلى العالم الآخر غدت باطلة لا رواج لها ولا قيمة.

ويلفت القرآن الكريم الأنظار إلى علم الله الشامل وقصور علم الإنسان، فيذكر مفاتح الغيب الَّتي اختصَّ الله تعالى بعلمها وهي:

1 ـ علم الساعة وهو يوم القيامة، الَّذي جعله الله تعالى غيبًا لا يعلمه سواه، ليبقى النَّاس في عملية بناء دائمة، وإنتاج متواصل، وهم لا يعلمون متى تأتي، ولو علموا ميقاتها لتعطَّلت حركتهم وفترت همَّتهم والتزموا المساجد والمعابد في زهد وتقشُّف وجمود. لذا كان في إخفائها مزيد من دفع حماسهم للاستفادة من فرص الحياة، وللإكثار من التعبُّد والتقرُّب بشوق دائم إلى الوصال واللقاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت