فهرس الكتاب
4 ـ العلم بالأرزاق والمكاسب، فما تدري نفس ماذا تكسب غدًا من خير أو شرٍّ، ومن نفع أو ضُرٍّ، ومن يسر أو عسر، ومن صحَّة أو مرض، ومن طاعة أو معصية، فالكسب أعمُّ من الربح المادِّي، وهو كلُّ ما تصيبه النفس في الغد، وهو غيب مُسدَلة عليه الأستار. والنفس الإنسانية تقف وراء حجب الغيب، لا تملك أن ترى شيئًا مما خلف الستار، ولا يعني ذلك عدم التخطيط واتخاذ الأسباب، فعدم المعرفة يجب أن يولِّد لدينا الدافع للعمل الواعي النشيط، لا للتواكل المبني على الكسل والخمول.
5 ـ العلم بمكان الموت وزمانه، فكثير من النَّاس يغادرون أوطانهم إلى بلاد أخرى قبل وفاتهم بأيام، حيث يكون قدرهم أن يُدفنوا في تلك البلاد. وقد روي أن ملك الموت مرَّ على سليمان عليه السَّلام، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، يديم النظر إليه، فقال الرجل لسليمان: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني؛ وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل، ثمَّ قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجُّبًا منه؛ لأني أُمِرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.
ومثل هذه الواقعة تتكرَّر في كلِّ زمان ومكان، وقد حدث في إحدى السنوات القليلة الماضية أن امرأة مُسنَّة قرَّرت السفر لزيارة بيت الله الحرام وأداء فريضة الحج، وبعد أن أعدَّت للسفر عُدَّته، فاجأها ظرف طارئ قبل سفرها بيومين، فشكَّل عائقًا بينها وبين ما عزمت عليه. فتقدَّمت لصديقة لها في سنِّها باقتراح الذهاب للحجِّ بدلًا عنها، وبأوراقها الثبوتيَّة ذاتها، فوافقت على ذلك وذهبت إلى الحجِّ ذلك العام، فكانت المنيَّة في انتظارها هناك، وقُدِّر لها أن تموت بتلك الديار، ويصلِّي عليها مئات الألوف من الحجيج، وتُدْفَن في تلك البقعة المباركة. فمن كان يدري ويعلم بشيء عن هذا القدر وذلك التدبير الإلهي العجيب؟. [هذه الحاجَّة المتوفاة هي عَمَّة مُعِدِّ هذا الكتاب ومُنَفِّذِه] .