فهرس الكتاب
أمَّا الظالم فإنه يستأنف بذلك اليوم رحلة عذاب نفسية كانت لحظة نزوله إلى القبر، نقطة بدايتها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «القبر أول منزلة من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشدُّ منه» (أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه مرفوعًا) ، ولقوله أيضًا: «القبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حفر النَّار» (أخرجه الترمذي والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ) . فمن كان صالحًا انسابت إلى قبره بشائر النعيم، ويرى مقعده من الجنَّة فينشرح صدره ويطمئنُّ قلبه، ومن كان ظالمًا مسيئًا اقتحمه نذر الجحيم، ويرى مقعده من النَّار فتضيق نفسه، ويطارده الخوف المفزع من عاقبة أمره، فإذا ما بُعِثَ من رقاده يوم القيامة، أدرك حقيقة مصيره المظلم، فصار يردِّد قوله تعالى: {..ياويلنا من بَعَثَنا من مرقَدِنا هذا ما وعدَ الرَّحمنُ وصدق المرسلون} (36 يس آية 52) وأخذ يعضُّ على يديه أسفًا وندمًا على ما فرَّط في جنب الله عزَّ وجل، ولا تكفيه يد واحدة يعضُّ عليها، إنما هو يداول بين هذه وتلك، لشدَّة ما يعانيه من الندم اللاذع، وهي حركة معهودة ترمز إلى حالة نفسيَّة صعبة، تجسِّمها الآية تجسيمًا معبِّرًا. وفي تحرُّقِ الظالم ولوعته، يدرك أنه قد بدأ مسيرته مع الخطأ، حين أعرض عمَّن يدلُّه على الله تعالى، واستبدله بقرين السوء، ويتمنَّى لو أنه سلك طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه، ولم يضلَّ عنه، بعد أن كان منكرًا لرسالته في الدُّنيا، ومكذِّبًا لنبوَّته. وينعى على نفسه كيف اتخذ فلانًا من النَّاس صاحبًا وصديقًا، وجعله قدوة له، وتستعمل الآية كلمة {فلانًا} بهذا التنكير والتعميم لتشمل كلَّ صاحب سوء يصدُّ عن سبيل الرسول، ويُضِلُّ عن ذكر الله تعالى، وكان شيطانًا أو عونًا للشيطان. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله