فهرس الكتاب
عنه: «يُحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (رواه أبو داود والترمذي) ، وهنا ندرك أهميَّة انتقاء الصاحب ونوعيته، فقُرب الإنسان من الشخص القريب إلى الله يقرِّبه منه، وحبُّه لأحباب الله يجعل هواه في هواهم، فيصبح محبًّا بل عاشقًا لله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمَّا أن يُحْذِيَكَ وإمَّا أن تبتاع منه وإمَّا أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك وإمَّا أن تجد منه ريحًا منتنة» (رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ) . وكذلك هُمُ المفسدون في الأرض، فإنهم يُحوِّلون من يلوذ بهم من الغاوين إلى أداة للإفساد والتخريب، ويحجبونه عن الله بحُجب الشهوات والمتع البهيمية، ليصبح في النهاية مطيَّة للشيطان يقوده إلى ما فيه خراب عقله، ودمار قلبه، مُظهرًا له الحقَّ باطلًا، والباطل حقًا، ثمَّ يخذله يوم القيامة مدلِّلًا على أنه استغلَّ استعداده للفساد، وأنه لو احتمى بالقرآن الكريم وتعاليمه، واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، لما استطاع أن يُضلَّه عن سواء السبيل.
وهكذا راح القرآن يهزُّ القلوب بتلك المشاعر المزلزلة، الَّتي تجسِّم للمنحرفين مصيرهم المخيف، وتريهم إيَّاه واقعًا مشهودًا، وهم بَعْدُ في هذه الأرض، يكذِّبون بلقاء الله، ويتطاولون على مقامه دون وازع، ويقترحون الاقتراحات المستهترة بكلِّ القيم، والهول الَّذي يقطع نياط القلوب ينتظرهم هناك، والندم الفاجع يملك عليهم حتَّى خفقات قلوبهم، ولكنَّ ذلك يحصل لهم بعد فوات الأوان، وانتهاء أمد التوبة والاستدراك، وفي هذا عبرة لمن أراد أن يعتبر، ويسلك سبيل الرشاد الَّذي به النجاة من الكرب العظيم.