فهرس الكتاب
كثيرًا ما نصادف في الحياة نماذج من النَّاس يدَّعون الصلاح والتُّقى، وقد رَكِبَهم الغرور فأخذوا يطلقون الأحكام جُزافًا، فترى أحدهم يدَّعي الإيمان والاستقامة، وكأنه قد استوثق من تقبُّل الله لعمله، وحجز مكانه في الجنَّة. ولو دقَّقت في سلوكه لرأيت العجب العُجاب، فقد يكون محسنًا من ناحية، مسيئًا من نواح عديدة، ومع ذلك فإنه يرفع شعار التمسُّك والتشدُّد، وربَّما التطرُّف، ويحصر الإيمان في دوائر ضيقة للغاية، بينما للإيمان الحقيقي باب واسع عريض، يستطيع دخوله من أراد، بشرط أن يكون ممن فقهوا تعاليم الدين الحقيقي، وألزموا أنفسهم بتطبيقها. فالإيمان كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (متفق عليه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه ) ، إن هذا الحديث وأمثاله يؤكد على أن الإيمان سلسلة ذات حلقات كثيرة، كلُّ حلقة منها تمثِّل جانبًا هامًّا من تعاليم هذا الدين الحنيف، وتبدأ هذه السلسلة بالحلقة الأولى والأهم، وهي الإقرار والإذعان بأنه لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله، وآخرها إزالة الأذى والعقبات من طريق النَّاس. إنهما طرفا سلسلة، الأوَّل يحدِّد علاقة المخلوق بالخالق، ويحصرها في كلمة التَّوحيد وما يتبعها من التزامات تجاه الخالق عزَّ وجل، والآخر يحدِّد علاقة المخلوق بالمخلوق، ويحصرها في تقديم النفع وإبعاد الضرر عن النَّاس مهما كان خفيفًا، ولو تمثَّل بإزالة عقبة من عقبات الطريق، وبين هذين القطبين تندرج شُعب الإيمان البضع والسبعون. فاسأل نفسك أيها الإنسان هل تخلَّقت ولو بشُعبة واحدة من شعب الإيمان؟ وهل يعقل أن يتقبَّل الله عمل إنسان ألغى من تصوُّره وحدانية الله، وعبد من دونه أو معه ما عبد من المعبودات، وأشرك معه ما أشرك من الآلهة؟. وهل يعقل أن يتقبَّل الله عمل إنسان يؤذي