الصفحة 1327 من 1412

إن غريزة حبِّ التسابق والتنافس مزروعة في حنايا النفس البشرية منذ بدء الخليقة، فالإنسان توَّاق دائمًا للوصول إلى الأفضل والأحسن، وقد أشبع غريزته هذه في ميادين المصارعة والفروسية والصيد ومواجهة الحيوانات الضارية، وكذلك في الحروب والغزوات، وكلِّ ما فيه متَّسع لإبراز الكفاءات والقوى الفردية. وتأتي الآية الكريمة لتوجِّه هذه الغريزة، وتضعها في أفضل مسار دون الإقلال من شأن المسارات الأخرى، هذا المسار هو مجال كسب المغفرة الإلهية. والسباق هنا ليس مبنيًّا على القوَّة العضلية أو العقلية، بل على الإرادة والعزيمة للتوجُّه الروحي والنفسي والفكري، إلى العمل والبذل وكسب رضا الله تعالى، إنه سباقٌ خطوط نهاياته متعدِّدة متباينة، وهي تمثِّل درجات الجنان، آخرها وأرقاها علِّيون، وعلِّيون لأولي الألباب والبصائر الَّذين تفتَّحت قلوبهم بنور الله، وعملوا وبذلوا قُصارى جهدهم لكسب رضا الله عزَّ وجل، والَّذي لا يُلقَّاه إلا الراغبون المُجِدُّون، قال تعالى: {خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذلك فليتنافسِ المتنافِسون} (83 المطففين آية 26) . وإن من أبرز علامات هؤلاء المتنافسين أنهم يملكون قلوبًا يقظة منوَّرة، ما إن تتلقَّى الأمر حتَّى تستجيب، وما إن تُلمس حتَّى يتَّقد فيها الإدراك والشعور، وأوَّل ما تنتبه إليه هو تقصيرها وتفريطها، فتتَّجه إلى ربِّها وهو المَلاذ، لتطلب المغفرة وتكفير السيئات والانضمام إلى سلك الأبرار. ومع الشعور بالرهبة تتوثَّب في صدورهم الرغبة والطمع برحمة الله، فهم يلتمسون من الله النجاة من العذاب، ويستدرُّون عطفه ورحمته بأن يعطيهم ما وعدهم من حسن الجزاء في الدُّنيا والآخرة، إنجازًا لوعده الَّذي بَلَّغتهم إيَّاه رسل الله، وهو سيادة الدُّنيا في قوله تعالى: وَعَدَ الله الَّذين آمنوا منكم وعملوا الصَّالحاتِ ليَستَخلِفنَّهُم في الأرض كما استخلفَ الَّذين من قبلهم وليُمكِّنَنَّ لهم دينهُمُ الَّذي ارتضى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت