الصفحة 1329 من 1412

ولابُدَّ لصاحب العقيدة الَّذي ينوي أن يدخل في هذا السباق من أن يتعامل مع هذا الوجود الكبير، ولا يحصر نفسه ونظره واهتمامه في عالم الأرض الضيِّق الصغير، لابُدَّ له من هذا ليؤدِّي دوره اللائق به، هذا الدور الشاقُّ الَّذي يصطدم بأطماع النَّاس كما يصطدم بضلال القلوب والتواء النفوس، ويعاني من مقاومة الباطل وتشبُّثه بموضعه من الأرض، ما لا يصبر عليه إلا من يتعامل مع وجود أكبر من هذه الحياة، غير عابئ ولا هيَّاب من الفَناء الَّذي سينال جسده. ومن ثمَّ يبقى صاحب العقيدة في أُفق الحقيقة الكبيرة مستعليًا على واقع الأرض الصغير، مهما تضخَّم هذا الواقع وامتدَّ واستطال، ويتعامل مع الوجود الكبير الَّذي يتمثَّله من خلال ما جاءت به رسالة السماء، ويتمثَّله في مُلك الآخرة الواسع العريض، وفي القيم الإيمانية الثابتة، الَّتي لا تهتزُّ لخلل يقع في موازين الحياة الدُّنيا الصغيرة الخادعة. وتلك هي وظيفة الإيمان في حياة أصحاب العقائد المختارين لتعديل قيم الحياة وموازينها، والخضوع لمقتضياتها، جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن فقراء المهاجرين أتَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدُّثور بالدرجات العُلى، والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ فقالوا: يُصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُعْتِقون ولا نُعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلِّمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: تسبِّحون وتَحْمَدون وتكبِّرون، دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين مرَّة، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (متفق عليه) . على أنه يمكن للفقراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت