ـ تبدأ حياة النعيم للمؤمنين لحظة مفارقة أرواحهم لأجسادهم، فإذا كان يوم الدِّين أُدخلوا جنَّات النعيم، حيث ينالون ما يرغبون، ولهم فيها فوق ما يتصوَّرون أو يحلمون وهم فيها خالدون.
في رحاب الآيات:
قد يظنُّ بعض النَّاس أن طريق الجنَّة طويل وصعب، مجهد وشاقٌّ، فيشعر بالإحباط والفتور لعدم استطاعته اجتياز هذا الطريق. ولكنَّ الله تعالى يؤكِّد أن الجنَّة قريبة، والوصول إليها بمتناول اليد؛ وهي وعدٌ من حضرة الله ليس لمن لا يخطئ، بل هي لمن هو كثير الخطأ لكنَّه سريع التوبة والاستغفار. فالإحباط يحصل بسبب اليأس، والإسلام حرب على اليأس والقنوط والتخاذل، ودفعٌ إلى العمل على حفظ حدود الله، وصيانة النفس من العيب والخطأ، لاسيَّما حينما نكون مستورين عن أعين النَّاس أو مراقبتهم لنا، لأن المهمَّ هو مراقبة الله لنا وليس مراقبة النَّاس.
وهناك المزيد من عذاب الله لمن يتقاعس أو يعرض وينأى بجانبه، وهناك المزيد المزيد من جود الله وكرمه للذين يرجون فضل الله، ويطرقون أبواب رضاه تواضعًا وافتقارًا إليه.
والآيات الَّتي نحن بصددها تعرض مشهدًا حيًّا للنعيم الَّذي ينتظر أهل الصلاح والتوبة، فالجنَّة قُرِّبت وأدنيت منهم بحيث تكون بمرأىً منهم مبالغة في إكرامهم، ويقال لهم: هذا النعيم هو ما وعد الله به كل عبدٍ أوَّابٍ، أي رجَّاع إلى الله، حافظ لعهده وأمره، مطيع للرحمن دون أن يراه، لقوَّة يقينه وشدَّة إيمانه به. وتتلقَّاهم الملائكة بالسَّلام، والبُشْرى لهم بالنجاة من العذاب والهموم والأكدار، ذلك هو يوم البقاء الَّذي لا نهاية له أبدًا. ولهم في الجنَّة ما تشتهيه أنفسهم، وتلذُّ به أعينهم، وعند الله زيادة على ذلك في الإنعام والإكرام، وهو التفضل عليهم بإتاحة النظر إلى وجهه الكريم.