إن أحلى ما يمتِّع النفس البشرية ويُشعرها بالراحة والأمان، الماء والخضرة، فكم يتوق المرء إذا ما داهمه التعب وأرهقه العمل، إلى أن يأوي إلى بستان ظليل وماء نمير، يُريح أعصابه فيه، ويلتقط أنفاسه ليتابع مسيرة الحياة بجدٍّ وحيوية؛ فكيف بمن جاهد نفسه وهواه، وذاب كيانه حبًا في الله، وحرصًا على طاعته؟ ليله أُنس بالله، وتذلُّلٍ له، وقُرب منه، لا ينام إلا القليل، ويقطع الليل بالصَّلاة، ويتبعها بالاستغفار عن تقصيره، وهو يرى نفسه مقصِّرًا بحقِّ ربِّه على الدوام، أمَّا نهاره فهو بذل وسخاء للسائل المحتاج، وللمتعفِّف الَّذي لا يسأل النَّاس لتعفُّفه وحيائه؛ أفلا يستحقُّ مثل هذا المؤمن نعيمًا أبديًّا في بساتينَ وجنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار له فيها فاكهة ممَّا يتخيَّر، ولحم طيرٍ مما يشتهي، وحورٌ عين، وله ما يرضيه ويغنيه ويفوق ما كان يأمله؟ فكلُّ تجارة دنيوية تتعرَّض للربح والخسارة، ويصاحبها القلق والخوف إلا التجارة مع الله، تدفع له القليل فيعطيك الكثير، وتستشعر الخوف فيمدُّ لك حبل الأمان.
سورة ق (50)
قال الله تعالى: {وأُزْلِفَتِ الجنَّة للمُتَّقينَ غيرَ بعيد (31) هذا ما توعَدونَ لكلِّ أوَّابٍ حفيظ (32) من خَشيَ الرَّحمنَ بالغيبِ وجاء بقلبٍ مُنيب (33) ادخلوها بسلامٍ ذلك يومُ الخلود (34) لهم ما يَشَاؤون فِيهَا وَلَدَينَا مَزِيْد (35) }
ومضات:
ـ الجنَّة غير بعيدة عن متناول المتَّقين، بل هي أقرب إليهم ممَّا يتصوَّرون، مكافأة لهم على كثرة استغفارهم لحضرة الله، وحفظهم لحدوده، وحماية أنفسهم من الوقوع في الخطايا، قد امتلأت قلوبهم من خشية الله، سواء أمام النَّاس أم بعيدًا عنهم، ولهذا فهي طاهرة من العيوب والذنوب، مليئة بحبِّ الله، مضيئة بأنواره، أهلٌ لتجلياته ونفحاته.