مكافأة الله لعباده الصالحين أكبر وأعظم بكثير مما قدَّموه من أعمال صالحة، وكثيرًا ما تتحدَّث الآيات القرآنية عن هذه المكافأة الممثَّلة بجنَّات الخلد، وما فيها من متع ومباهج تَسُرُّ الأنفس، وتُطْرِب القلوب. وقبل الحديث عن الثواب، تتحدَّث الآيات عن العقاب الَّذي سينال العُصاة، وما ينالهم العذاب إلا بسبب ما قدَّمت أيديهم من معصية وشرك بالله الخالق العظيم. ثمَّ يستثني الله سبحانه عباده المُخْلَصين من التعرُّض للعذاب الأليم، وهم الَّذين آمنوا بالله وأخلصوا له العمل وأنابوا إليه، أولئك لهم جنَّات يتمتَّعون فيها بكلِّ ما لذَّ وطاب، من الفاكهة ذات الطعم اللذيذ والرائحة الزكية، وتأتيهم وهم مُكرَّمون كما كانت تُقدَّم للملوك وأصحاب الجاه في الحياة الدُّنيا.
وفي ذلك إيماءٌ إلى أن ما يأكلونه في الجنَّة إنما هو للتفكُّه والتلذُّذ لا للقوت، لأنهم في غنى عنه لعدم تحلُّل شيء من أجسامهم بالحرارة الغريزية حتَّى يحتاجوا إلى بديل عنه. أمَّا مكان إقامتهم فهو الجنَّة؛ جنَّة النعيم والخُلد، ينعمون فيها على أَسِرَّة مرصَّعة بالدُّرِ والياقوت، تدور بهم كيف شاؤوا متقابلين تواصلًا وتحاببًا، وهم يتمتَّعون بطيب الحديث، وفي ذلك لذَّة روحية لا يدركها إلا من ذاق طعمها.
ويطوف عليهم خدم الجنَّة بكأس من الخمر من نهر جار من إحدى عيون الجنَّة، وهذه الخمر صافية بيضاء ذات لذَّة للشاربين، وليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها، ولا يقعون في العربدة الَّتي تذهب بهيبة شاربها واتِّزانه، كما هي حال خمر الدُّنيا.
ويثير بعض النَّاس الشكوك حول قضية تحريم شرب الخمرة في الحياة الدُّنيا، بينما هي مباحة في الدار الآخرة، لذا أتت الآية الكريمة لتوضح بأن خمرة الجنَّة ليس فيها غَول، أي إنها خمرة خالية من المادَّة المُسكرة الَّتي تأخذ بالعقول، وتسلبها التفكير السليم.