والقرآن الكريم فيه بيان شافٍ للناس، وهداية لطريق الرشاد، وما كان النَّاس ليهتدوا لولا هذا البيان الهادي، ولكنَّ طائفة معيَّنة هي الَّتي تجد فيه الهدى والموعظة وتنتفع به، وهي طائفة المتَّقين الَّذين انشرح صدرهم للإيمان، وترجموا الإيمان إلى عمل. والمؤمن التَّقي حقَّ التَّقوى هو في المقام الأعلى دائمًا، فإن حدث ما يخالف ذلك فعليه أن يراجع صحَّة إيمانه، ولكي يتبوَّأ تلك المكانة العالية، عليه ألا يتهاون بالعمل الجادِّ الدؤوب، وألا يحزن على ما أصابه لئلا يصيبه الوهن والحزن. وقد قضى قانون الله أن يجعل العاقبة للمتَّقين الَّذين لا يحيدون عن شريعته وتعاليمه، وإنما نهى عن الحزن على ما فات، لأنه يُفقد الإنسان شيئًا من عزيمته. والأجدر أن يعالج المرء مشاكله وآلامه بالعمل، مع العزيمة الصادقة والحزم والتوكُّل على الله، حتَّى يظفر بما يطلب، ويستعيض عمَّا قد يخسر. ومن الثابت أن تقلُّب النَّاس بين الرَّخاء والشِّدَّة يكشف عن معادن نفوسهم، وطبائع قلوبهم، ودرجة صفائهم، ومدى صبرهم، ومستوى ثقتهم بالله واستسلامهم لقدرته. فالله تعالى يعلم ما تنطوي عليه الصدور، ولكنَّ الأحداث وتداول الأيام تكشف المخبوء في نفوس النَّاس، وتجعله واقعًا ملموسًا في حياتهم، وتحوِّل الإيمان إلى عمل ظاهر، فهي محَكٌّ لا يخطئ، وميزان لا يظلم، والنفس المؤمنة هي الَّتي تصبر على السرَّاء والضرَّاء، وتتَّجه إلى الله في الحالتين، وتوقن أن ما أصابها من الخير والشرِّ هو تقديرٌ من الله تعالى. وكما أن الفرد مُبتلى، فكذلك هي الأمم، فكلُّ ولادة تسبقها آلام المخاض، ولا يمكن لأمَّة أن تُبنى دون تجارب مريرة، تجعل منها أمَّة قويَّة متماسكة، وبمقدار تماسكها تواصل مسيرتها بالشكل السليم، وإلا فلا يستبعد أن يُسحب المجد منها ويُعطى لغيرها، وهذا قانون الله في كلِّ متهاون مستهتر، قال تعالى: ولقد كتبنا في الزَّبورِ من بعدِ الذِّكرِ أنَّ الأرضَ