يَرثها عباديَ الصَّالحون (21 الأنبياء آية 105) .
والمؤمن مطالب أثناء مسيرته بالجهاد، وهو بذل الجهد للتحصيل والبناء العلمي والحضاري، ومجاهدة أهواء النفس، والتضحية وربما الاستشهاد في سبيل المبدأ، وقد ميَّز الله الشهداء واصطفاهم وكرَّمهم وخصَّهم بقربه ورحمته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنَّة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (رواه البخاري) ، وهذه المرتبة لمن يجاهد بكلِّ ما يملك ليرسي قوانين الله، كما بلَّغها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليكون المنهج الإلهي هو المنهج السائد، وهو الَّذي يحكم سلوك النَّاس جميعًا، فإذا اقتضى الأمر أن يموت في سبيله فهو شهيد. والشهيد هو المشهود له بالجنَّة، والشهداء عامَّة، هم من أخلصوا في إيمانهم وأعمالهم، ولم يظلموا أنفسهم بمخالفة أوامر الله ونواهيه.
وهم الَّذين يشهدون بصحَّة الدِّين قلبًا وقالبًا، قولًا ومنهجًا، ظاهرًا وباطنًا، وكما أن الله تعالى اصطفاهم، فقد أبعد من كنفه الظالمين، الَّذين تعدَّوا قوانينه أو حوَّلوها لمنافعهم الشخصية.
ولا يخفى أن الآيات جاءت بمناسبة خسارة المسلمين إحدى المعارك الحربية، ضد المشركين وهي غزوة أُحد، حيث أنزلها الله تعالى تعزية للمسلمين، وتطييبًا لخاطرهم من جهة، كما جاءت من جهة أخرى درسًا وعظة؛ بأن قانون الله ثابت في أن من خالف أمره أذاقه وبال مخالفته. وبعد حصول الهدف من هذا الدرس القاسي، يعدهم بالنصر والتأييد إن هم أصلحوا الفساد، واستقاموا على جادَّة الحقِّ الَّذي ارتضاه لهم. وتتابع الآيات في المواساة وتطييب الخاطر، حيث تذكِّرهم بأنهم إن مسَّهم ضُرٌّ من هذه الموقعة، فقد مسَّ أعداءهم ضرٌّ مثله، والله تعالى يقدِّر مثل هذه الأقدار، ليظهر فضل المؤمنين الصادقين ويتَّخذ منهم شهداء مكرَّمين.
سورة الأنعام (6)