قال الله تعالى: {ألم يَرَوْا كم أَهْلَكنا من قَبلِهم من قَرْنٍ مكَّنَّاهُم في الأرضِ ما لم نُمكِّن لكم وأرسلْنا السَّماءَ عليهم مِدْرارًا وجعلنا الأنهارَ تجري من تحتِهِمْ فأهلكناهُم بذُنوبِهمْ وأنشأنا من بعدِهِم قرْنًا آخرين (6) }
ومضات:
ـ لا يمكن للمشاهَدَةِ أن تعطي ثمارها، إلا إذا اقترنت بالتروِّي والتبصُّر والاستيعاب، وإن استيعاب الدروس التاريخية يعني دراسة الوقائع والأحداث بتمعُّن وتفكُّر. وها هو القرآن الكريم يوجِّه لنا دعوة للدراسة العلمية الجادَّة، المبنيَّة على تحليل الأمور لاستخراج النتائج المقرونة بالأسباب والمسببات، للحصول على المواعظ والعبر من هذه الدراسة.
ـ تلفت الآية الكريمة الأنظار إلى مصرع الأجيال الغابرة، الَّتي مكَّنها الله في الأرض، وأعطاها من أسباب القوَّة والسلطان، وأغدق عليها من الرزق الوفير، ثم خرجت عن قوانين الله وتعاليمه المسعدة، والمؤدِّية إلى نجاحها الأخلاقي وازدهارها الحضاري، فأخذها الله عزَّ وجل بتقصيرها أو بجبروتها، وأنشأ من بعدها جيلًا آخر ليتابع بناء الأرض وإصلاحها، وهكذا هي دورة الحياة.
في رحاب الآيات:
الحياة دار ابتلاء للمؤمن وغير المؤمن، والكيِّس من دانَ نفسه، وعمل لما بعد الموت، والتزم بشروط الخلافة الَّتي خُلق من أجلها، والَّتي تعني إقرار شريعة الله، والعمل بمقتضى أوامره ونواهيه. وأي خروج عن هذه المسيرة، يعرِّض صاحبه للخطر والوقوع في مزالق يتعذَّر عليه تخطِّيها، إلا إذا تداركته رحمة الله. لذلك نرى القرآن الكريم يكشف النقاب عن تاريخ بعض الشعوب، الَّذين عاشوا الماضي في أحقاب متتالية، فأساؤوا حفظ الأمانة، ولم ينهضوا بأعباء الرسالة السماوية فحاق بهم عذابه الشديد.