الصفحة 1344 من 1412

تؤكِّد هذه الآية الكريمة أن للإنسان بصرًا لرؤية الأمور المادِّية، وبصيرة لرؤية الأمور الروحية، وأن من فقد البصر المادِّي، وظلَّت بصيرته متفتِّحة، فهو خير ممن فقد بصيرته ولو احتفظ ببصره المادِّي، لأن الثاني هو الأعمى الحقيقي. فإدراك الحسِّ بالله لا يمكن أن يحصل إلا من خلال القلب، فإذا تفتَّحت عيون القلب رأت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ممن لايملك هذه البصيرة. فصاحب البصيرة يرى نور الطاعة، وظلام المعصية، يرى جمال أنوار الله، بل يرى الأمور كلَّها من خلال شرع الله تعالى، فتسمو أحاسيسه، وتقوى همَّته لإنقاذ الخلائق من براثن الجهل والفقر والظلم. والآية الكريمة تفتح عيون المكذِّبين بآيات الله، الجاحدين بقدرته، لينظروا إلى ما حلَّ بأسلافهم ممن كذَّبوا رسل الله كعاد وثمود وقوم لوط، وقوم شعيب وغيرهم، ويروا ما حلَّ بأوطانهم ومساكنهم، ويسمعوا بآذانهم أخبارهم، فيتفكَّروا ويتدبَّروا ويعتبروا بمصارع القوم، لعلَّهم يرجعون إلى ربِّهم، ويعقلون آياته المبثوثة في الآفاق. ولكن أنَّى لهم ذلك، وقد عميت بصائرهم، وسوَّروا قلوبهم بأسوار غليظة، تمنع نور الإيمان من التسرُّب إلى حُجُرات هذه القلوب وإزالة ظلامها، بانغماسهم في المعاصي، وتكذيبهم رسل الله، واستهزائهم بآياته ودلائله؟. قال أحد الصالحين: [لكلِّ إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضرَّه عماه شيئًا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئًا] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت