فهرس الكتاب
في تكذيبهم وسخريتهم. وهكذا كان شأن نوح مع قومه الَّذين بلغ بهم الطغيان ذروته عندما قالوا: ما نوح إلا رجل أصابه مسٌّ في عقله، فمزاعمه لا تصدر إلا ممَّن لا يفقه ما يقول، فيُسَفِّه دين آبائه، فحريٌّ أن لا يُلتَفَتَ إليه ولا إلى ما يدَّعيه، ولا طائل من مجادلته. فانتظِروا، علَّه يضيق ذرعًا بما هو فيه، فيتراجع عن دعوته، ويدعكم وما تعبدون من الآلهة الَّتي تؤمنون بها، وما هذا إلا مكابرة وفرط عناد منهم، لأنهم يعلمون أن نوحًا أرجحهم عقلًا، وأوزنهم قولًا.
ونتيجة لإصرارهم لم يجد نوح عليه السَّلام منفذًا إلى قلوبهم الجامدة المتحجِّرة، ولا موئلًا من السُّخرية والأذى إلا أن يتوجَّه إلى ربِّه وحده، يشكو إليه ما لقيه من تكذيب، ويطلب منه النصر والتَّأييد. فالبشريَّة في عهده قد بدأت تهمُّ بالتحرُّك نحو الأمام في طريق الكمال المرسوم، فإذا كان الجمود يحيط بالأحياء من حوله على هذا النحو المتخلِّف، فإنهم سيشكِّلون عقبة في ذلك الطريق... وعندها لابد من أحد أمرين: إمَّا أن تتحطَّم هذه المتحجِّرات، وإمَّا أن تتجاوزها مسيرة الحياة، وتدعها في مكانها وتمضي. والأمر الأوَّل هو الَّذي حدث لقوم نوح، فشاءت إرادة الله أن تُنزل بهم الجزاء العادل وهو الطوفان؛ فأوحى الله لنوح عليه السَّلام أن يصنع الفُلْكَ (السفينة) بيده، لأنه لابُدَّ للإنسان من الأخذ بالأسباب والوسائل ليصل إلى النتائج، وبَذْلِ أقصى ما في وسعه ليستحقَّ المدد من ربِّه، فالمدد لا يأتي للقاعدين المستريحين المتقاعسين، الَّذين ينتظرون ولا يزيدون شيئًا على الانتظار.