الصفحة 156 من 1412

فيأتي الردُّ من هؤلاء القوم الجفاة، بعد أن أقيمت عليهم حجَّة نبيِّهم: {ما هذا إلاَّ بَشرٌ مِثلكم يريدُ أن يَتفضَّلَ عليكم} ، ومن هذه الزاوية الضيقة نظروا إلى تلك الدعوة الكبرى، فما كانوا ليدركوا طبيعتها، ولا لِيَرَوْا حقيقتها، وحُجبوا بذواتهم الصغيرة الضئيلة عن جوهرها، فإذا القضيَّة في نظرهم قضية رجل منهم، لا يختلف عنهم في شيء، يريد أن يتَّخذ لنفسه موقع الريادة، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم ويترأسهم! فقادهم ذلك الموقف إلى مغالطة كبيرة مع أنفسهم، فقد سوَّغوا لها أن تثبت الألوهيَّة لحجر، وأنكروا عليها الإيمان بنبوَّة بشر! ولم يقفوا عند هذا الحدِّ في عدائهم للحقيقة، واستنادهم إلى المغالطة والأوهام الباطلة، بل تمادَوْا في ذلك بإغلاقهم السَّمْع والبصر والفؤاد، دون دعوة الحقِّ الَّتي جاءتهم من عند الله، وحملها لهم رسول من أشرف خلق الله. وقد ذكر تعالى شكاية نوح حيث قال: {وإنِّي كُلَّما دعوتُهُم لِتَغفرَ لهم جعلوا أصابعَهُم في آذانِهِم واستَغشَوا ثيابَهَم وأصرُّوا واستكبروا استكبارا} (71 نوح آية 7) ، لقد أوغلوا بهذا الموقف المتعنِّت والقصور المفرط؛ في البعد عن إدراك النفحة العلويَّة الَّتي تصل البشر بالملأ الأعلى، وتجعل الأخيار منهم يتلقَّوْن ذلك الفيض الإلهي، ويحملونه إلى إخوانهم فيهدونهم إلى مصدره الوضيء. إنهم بدل الأَوبَةِ إلى الحقِّ، انغمسوا في الباطل فقالوا: {وَلَو شَاءَ الله لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا في آبَائِنَا الأوَّلين} ومثل هذا التفكير والحكم في كلِّ زمان ومكان إنما يصدر عندما يهيمن التقليد الأعمى فيطمس نور العقل، ويُكبِّل حريَّة المعتقَد؛ فلم يتدبَّر أتباع التقليد ما بين أيديهم من القضايا، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها، بل راحوا يبحثون في ركام الماضي عن سابقة يستندون إليها، فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها جانبًا؛ واستمرُّوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت