الصفحة 174 من 1412

وقد شكر الله لإبراهيم صدقه، فرفع ذكره بين الناس على اختلاف مللهم ومذاهبهم؛ فاليهود يُجِلُّونه، والنصارى يعظِّمونه، والمسلمون يبجِّلونه، وذلك مكافأة على صدقه، واستجابة لدعوته حين قال: {واجعل لي لسانَ صِدْقٍ في الآخِرِين} (26 الشعراء آية 84) . ثمَّ ذكر تعالى أنه مَنَّ عليه مِنَّة ثانية فقال: {سلامٌ على إبراهيم} سلامٌ من ربِّه يُسَّجل في كتابه الباقي، ويُرْقَم في حنايا الوجود، لأنه كان من الراسخين في الإيمان مع اليقين والاطمئنان. وقد أتمَّ الله عليه فضله ومنَّته، عندما أكرمه بأعلى المقامات وأشرفها، فمنحه رتبة (خليل الله) الَّتي ورد وصفه بها بقوله تعالى: {ومَنْ أحسنُ دينًا مِمَّن أسلمَ وجههُ لله وهو محسنٌ واتَّبع مِلَّةَ إبراهيم حنيفًا واتَّخذ الله إبراهيمَ خليلًا} (4 النساء آية 125) أي لا أحد أحسن دينًا ممَّن أسلم قلبه لله مخلصًا له الدِّين وحده، فلا يتَّجه بدعاء أو رجاء إلا إليه. وقد عبَّر القرآن عن توجُّه القلب بإسلام الوجه، لأنَّ الوجه مرآة القلب، على صفحته تنعكس طهارة الروح، ونقاوة الضمير، وصفاء السريرة. وهو مع هذا التوجُّه والإخلاص القلبي، عامل للحسنات، تارك للسيِّئات، متَّصف بفضائل الأخلاق، ومتَّبع ملَّة إبراهيم عليه السَّلام في حنيفيته، بالبعد عن الشِّرك، وعبادة الله وحده. فالآية تربط الشرائع كلَّها بسلسلة محكمة الحلقات، فليس هناك تناقض أو تنافر أو حتَّى تفاضل بين واحدة وأخرى، بدءًا ممَّا جاء على لسان إبراهيم الخليل، وانتهاءً بما نزل على محمَّد عليهما أفضل الصلاة والتسليم، وهذا دليل على وحدة مصدرها وأصولها وجذورها. كما أنها تقرن الإيمان والإحسان باتِّباع ملَّة إبراهيم عليه السَّلام، لتربط الأنبياء ممَّن جاء بعد إبراهيم؛ بأب روحي واحد هو إبراهيم الخليل، وتزرع أواصر القربى بينهم، ليتعايش أتباعهم على الأرض في جوٍّ من الإخاء والمودَّة، ولهذا دُعي إبراهيم عليه السَّلام ـ أبو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت