الصفحة 173 من 1412

ولا يخفى أن الله تعالى لا يريد الذَّبح حقيقة، لأنه سبحانه حرَّم القتل، وتوعَّد عليه بأشدِّ العذاب، فالله لا يأمُرُ بالفحشاء ولا بالمنكر، وإنما أراد سبحانه تطهير قلب إبراهيم خليله، من محبَّة ما سواه، فلما باشر إبراهيم عليه السَّلام ما يُنتج ذلك، وتحقَّقت الغاية من الرؤيا، تدخَّلت العناية الإلهية في اللحظة المناسبة، لتنهي هذا الامتحان الرَّهيب، معلنة نجاح التلميذين النجيبين (الأب والابن) بامتياز منقطع النَّظير؛ فيفتدي الله تعالى إسماعيل بذِبْحٍ عظيم القدر، وإنما عَظُم قدره لأنه فداء لإسماعيل من الذبح. ومضت بذلك سُنَّة النَّحر في عيد الأضحى، إحياءً لذكرى هذا الحادث العظيم، الَّذي يرتفع منارةً لحقيقة الإيمان، وجمال الطَّاعة، وعظمة التسليم، والَّذي ترجع إليه الأمَّة المسلمة لتعرف منزلة أبيها إبراهيم عليه السَّلام، ولتعرف أن ربَّها لا يريد أن يعذِّبها بالابتلاء، إنما يريدها أن تأتيه طائعة، ملبِّية، فإذا أكَّدت صدق القول بمباشرة أسباب الفعل ومقدِّماته أعفاها من التَّضحيات والآلام، وأكرمها كما أكرم أباها من قبل. وهذا هو الابتلاء والاختبار الشَّاق الَّذي يتميَّز فيه المخلص عن المنافق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت