فهرس الكتاب
ويخطو المشهد بنا خطوة أخرى تلي الحوار والكلام، ليصل إلى الفعل والتنفيذ... ومرة أخرى يرتفع نُبْلُ الطاعة، وتعلو قوَّة الإيمان، وطمأنينة الرِّضا فوق كلِّ ما تعارف عليه بنو الإنسان. إن الأب العطوف الرحيم يمضي فيكبُّ ابنه على جبينه استعدادًا، وإنَّ الغلام يستسلم فلا يتحرَّك امتناعًا، وقد كاد الأمر أن يصبح حقيقةً وعيانًا؛ لقد أسلما، أي استسلما، وانقادا لأمر الله، وفوَّضا إليه الأمر سبحانه، وهذا هو الإسلام والاستسلام في حقيقته، ثقة وطاعة، ورضا وتسليم، وتنفيذ واطمئنان، وكلٌّ منهما ــ الأب والابن ـ لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر، الَّتي لا يمكن أن يصنعها غير الإيمان العظيم. والحكمة من ذلك كلِّه، أن الله اتَّخذ إبراهيم خليلًا، فلما سأل ربَّه الولد ووهبه له، تعلَّقَتْ شُعبة من قلبه بمحبَّة ولده، فأُرِيَ ذبح هذا المحبوب ليظهر صفاء الخُلَّة، فامتثل أمر ربِّه وبذلك قدَّم محبَّة الله على محبَّة ولده. وفي أدقِّ لحظات الامتحان يأتي النداء من قِبَلِ الله تعالى لإبراهيم، أن قد صدَّقتَ الرُّؤيا، وحصل المقصود منها بإضجاعك ولدك للذبح، فقد تحقَّق امتثالك للأمر وطاعتك، و (أن) هنا تحمل العتاب وتوقيف الفعل. ثمَّ قال تعالى: {إنَّا كذلك نَجزي المحسنين} نجزيهم على مسارعتهم إلى الإذعان لمثل هذا الابتلاء، وتوجيه قلوبهم ورفعها إلى مستوى الوفاء، وتصبيرهم على الأداء، ونجزيهم كذلك باستحقاق الثواب والعطاء.