فهرس الكتاب
الحرب سجال بين الحقِّ والباطل، ولئن ربح الباطل جولة، فإن الحقَّ هو المنتصر في النهاية. وهذا هو قانون الله في الأرض، {..فأمَّا الزَّبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمَّا ما ينفعُ النَّاسَ فيمكُثُ في الأَرضِ..} (13 الرعد آية 17) . ومن منطق نصرة الحقِّ وقوَّته وديمومته، تبلورت الأمور وظهرت للعيان براءة يوسف عليه السَّلام من التهمة الَّتي أُلصقت به كيدًا وظلمًا، كما ثبتت حصافة رأيه، ورجاحة عقله؛ بعد أن فسَّر رؤيا الملك الَّتي كانت تحمل في طيَّاتها إشارات إلى مجيء قحط يكتسح البلاد، فلم يكتف عليه السَّلام بتأويل هذه الرؤيا، بل وصف للملك الحلول الناجعة للخروج من تلك الأزمات الَّتي ستعانيها مصر. فطلب الملك إحضاره من السجن، ولما جاءه وسمع كلامه، أدرك من فحوى حديثه عظيم حكمته وحسن تصرُّفه، ورأى في سيرته الحسنة في السجن، وعلمه وفهمه في تأويله للرؤيا، خير دليلٍ على أنه أهلٌ لأن يُرفع إلى أعلى المراتب، ولم يصرفه عن ذلك كونه غريبًا أو فقيرًا أو مملوكًا. لقد دار حوار بين الملك ويوسف عليه السَّلام ـ والحوار بين المتخاطبين يظهر معارف الإنسان وأخلاقه وآدابه ـ ومنه تبيَّن للملك أهليَّة يوسف عليه السَّلام وكونه جديرًا بأن يصبح موضع ثقته، وصاحب مشورته، فجعله من خاصَّته واستخلصه لنفسه بعد أن قال له: إنك لدينا ذو مكانة سامية ومنزلة عالية.