فهرس الكتاب
لكنَّ النفوس النبيلة لا تنحصر أحلامها في ذواتها وتحقيق رغباتها فحسب، بل إنها تنظر إلى بعيد، نظرة شموليَّة تسع الكون والأحياء جميعًا، وهذا ما حدا بيوسف عليه السَّلام إلى أن يطلب من الملك إدارة الأمور المالية؛ لأن سياسة المُلك بالحكمة، وتنمية العمران، وإقامة العدل، تتوقَّف على مثل هذه النفوس، وقد زكَّى نفسه وامتدحها أمام الملك تعريفًا لا ثناءً ليثق به، ويركن إليه في تَوَلِّيه هذه المهام؛ فقال: إني حفيظ عليم، خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه. فطلب يوسف عليه السَّلام ما يعتقد أنه قادر على النهوض به من الأعباء في الأزمة القادمة الَّتي تبيَّنها من تأويله رؤيا الملك، وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحًا من الموت، وبلادًا من الخراب، ومجتمعًا من هجمة الجوع، فكان بذلك حكيمًا في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفاءته وأمانته، مع الاحتفاظ بكرامته وإبائه، فهو لم يكن يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه، إنما كان حصيفًا في اختيار اللحظة الَّتي يستجاب له فيها، لينهض بالواجب الثقيل، في أشدِّ أوقات الأزمة، متحمِّلًا للمسؤولية الضخمة في إطعام شعب كامل، وشعوب تجاوره طوال سبع سنوات لا زرع فيها ولا ضرع.
لقد بدَّل الله تعالى حال يوسف عليه السَّلام، فوسَّع عليه بعد ضيق، ويسَّر عليه بعد عسر، وجعل الأرض مُلْكًا له، مفتوحةً أبوابها، ميسَّرةً سُبُلها، يتبوَّأ منها المنزل الَّذي يريد، والمكان الَّذي يهوى، والمكانة الَّتي يختار بعد أن مرَّ بتجربة الجُبِّ وما فيه من خطر وضيق، والسجن وما فيه من قيود. والله يصيب برحمته من يشاء فيجعل من العسر يسرًا، ومن الضيق فرجًا، ومن الخوف أمنًا، ومن القيد حريَّة، ومن الهوان عزًّا ومقامًا عاليًا. وكانت ليوسف عليه السَّلام تلك المكانة الرفيعة في الأرض، وله أيضًا البشارة في الآخرة جزاءً وفاقًا على الإيمان والصبر والإحسان.