فهرس الكتاب
ويؤيِّد الله موسى عليه السَّلام بمعجزة ثانية؛ وهي خروج يده بيضاء لامعة، والآية الَّتي تتحدث عن ذلك قوله تعالى لرسوله: {واضْمُمْ يَدك إلى جَناحِك...} أي أَدخل يدك تحت إبطك ثمَّ أخرجها، تخرج نيِّرة مضيئة كضوء الشمس، من غير عيب ولا بَرَصٍ. وهاتان آيتان من آياتي الكبرى، فاذهب بهما دليلين على نبوَّتك إلى فرعون وملئه، فقد تجاوز حدوده في الكفر والطغيان، حتَّى ادَّعى أنه الإله. فتهيَّب موسى عليه السَّلام الأمر؛ كيف يذهب إلى فرعون الطاغية، ورأس الكفر في زمانه؟ يضاف إلى ذلك أنه فرَّ من مصر بسبب قتله للمصري خطأً، وهل سيصَدِّقه فرعون؟ وهل سينجو من عقابه إذا كذَّبه؟ أسئلة متلاحقة تزاحمت في ذهن موسى عليه السَّلام، وتجسَّدت في هذا النداء (ربِّ) لقد ضاق صدري، فالمهمَّة عظيمة، والأمر جَلَلٌ فاشرح لي صدري، ونوِّره بنور الإيمان، واكشف همِّي، ويسِّر أمري، وفكَّ عقدة من لساني؛ وكان في لسان موسى عليه السَّلام حَبْسة (أو لثغة) تمنعه من كثير من الكلام، وكان حادَّ الطبع، سريع الانفعال، لذا طلب من الله أن يؤيده بأخيه هارون، ليكون عونًا له يحمل معه أعباء الرسالة، ويكون ظهيرًا له عند الشدائد، ولِما له من فصاحة اللسان، وثبات الجنان وهدوء الأعصاب. وفي هذا إشارة إلى أن صحبة الأخيار للأنبياء ومؤازرتهم مرغوب فيها، فضلًا عن غيرهم، وأنه لا ينبغي أن يكون المرء مستبِّدًا برأيه، حتَّى وإن كان نبيًا. ثمَّ بيَّن موسى عليه السَّلام أن مؤازرة أخيه هارون له ستجعل أمامهما متَّسعًا من الوقت ليعبدا الله حقَّ عبادته، فلا تشغلهما مهامُّ الرسالة عن العبادة؛ بل يتفرغان بعض الوقت للتسبيح والتقديس ويستغرقان في ذكر الله، الذكر المتَّصل؛ الَّذي يقوِّيهما ويمدُّهما بالعون والثقة بالنفس على مواجهة عدو الله، مستمدِّين العون من الله المراقب لهما، والعالم بأمورهما، والمطَّلع على أحوالهما الَّتي لا يخفى عليه شيءٌ منها. وفي هذا