فهرس الكتاب
ثمَّ تعظُم المنَّة الربَّانية على موسى عليه السَّلام، حيث ألهمه تعالى أن يمتنع من الرضاع من أي امرأة غريبة، تهيئة لأسباب إعادته إلى حجر أمِّه وحنانها. فتأتي أخته تستطلع خبره وهي تمشي على ساحل النيل قريبًا من الصندوق، وحين سمعتهم يطلبون مرضعة له، أشارت عليهم بمرضعة هي أمُّه، وبذلك أنجز الله وعده لأمِّ موسى عليه السَّلام بردِّه إليها بعد إلقائه في اليمِّ، كي تسعد بقربه وتنسى حزنها وخوفها عليه. وهكذا امتنَّ الله على موسى عليه السَّلام بنجاته من الذبح عند ولادته، ومن الغرق بعدها، فتجاوز مرحلة الطفولة بسلام وأمان. فلما بلغ مرحلة الشباب إذا به يقع في مأزق، كان من شأنه أن يورده موارد الهلاك، لولا أن تداركته العناية الإلهيَّة، وللمرَّة الثالثة، حين قَتل بطريق الخطأ، رجلًا مصريًا، دفاعًا عن رجل من بني إسرائيل استنجد به، فنجَّاه الله من عقاب فرعون، ونجَّاه من الهمِّ الَّذي ألمَّ به بعد ارتكابه هذا الذنب عن غير قصد حين قال: {..ربِّ إنِّي ظلمتُ نفسي فاغفِر لي..} (28 القصص آية 16) ووفَّقه للهجرة إلى مدْيَن.
لقد ابتلى الله تعالى موسى عليه السَّلام بأنواع المحن، لكنَّه خلَّصه منها جميعها، وقد جاء في الحديث الشريف: «إذا أحبَّ الله عبدًا ابتلاه فإذا صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه» (رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا والترمذي وقال حسن صحيح) . فالعبد الَّذي يريد الله اصطفاءه يجعله في بوتقة البلاء أوَّلًا، ثمَّ يخلِّص جوهره من كلِّ الشوائب. وهذا ما جرى مع موسى عليه السَّلام؛ فبعد أن اجتاز مرحلة الابتلاء والامتحان جيء به من أرض مدْيَن، لإقامة حُجَّة الله وتبليغ رسالته، وهداية الناس إلى التوحيد والشرع القويم.
داود عليه السَّلام
سورة سبأ (34)