الصفحة 195 من 1412

ثمَّ يذكِّرنا الله تعالى بماضي موسى عليه السَّلام وطفولته، تنويهًا بالمنزلة الكريمة الَّتي له عند ربِّه، وتذكيرًا لنا بالنعم الكثيرة الَّتي أنعم بها عليه، وأن الله يسعف أنبياءه وأولياءه عند الشدائد، فقد أنجاه من الهلاك الأكيد مرَّات عديدة، إذ ولدته أمُّه في العام الَّذي كان فرعون يقتل فيه المواليد الذكور من بني إسرائيل، فأوحى لأمِّه أن تضعه في صندوق ثمَّ تطرحه في نهر النيل ففعلت، وكان للنيل فرعٌ يمرُّ في قصر فرعون، فبينما هو جالس مع امرأته آسية إذا بتابوت يحمله الماء، فلما رآه فرعون أمر بإخراجه، فأخرجوه وفتحوه، وإذا بصبيٍّ من أصبح الناس وجهًا، فلما رآه فرعون أحبَّه وسمَّاه موسى و (مو) هو الماء بالهيروغليفية، و (سا) هو الشجر.

لقد ألقى الله على موسى عليه السَّلام محبَّة خالصة منه، زرعها في قلوب من رأوه، ومنهم فرعون وزوجته الَّتي قالت له: {..قرَّةُ عَينٍ لِي ولكَ لا تقتلوهُ عسى أن يَنفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ ولدًا..} (28 القصص آية 9) وبهذا القَدَرِ الَّذي قُدِّر لموسى عليه السَّلام، نجد أن العناية الإلهيَّة الَّتي أحاطت به قد بلغت ذروتها، فقد أنجاه الله من الذبح الَّذي فرضه فرعون بحقِّ المواليد الجُدد من بني إسرائيل، ثمَّ أدخله بعد النجاة من الهلاك، قصر صاحب هذه الجريمة النكراء، ليتربَّى عنده معزَّزًا مكرَّمًا تصديقًا لقوله تعالى: {ولِتُصنَعَ على عيني} أي لكي تُربَّى محفوفًا برعايتي، ومحاطًا بعنايتي الَّتي يتمتع كلُّ من يحظى بها بمنتهى الأمان، وإن كانت الظروف المحيطة موحشة ومخيفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت