الصفحة 194 من 1412

وبعد الاستجابة والبشارة، يأتي التكليف ضمن شروط محدَّدة، تبيِّن مهمَّة الداعي إلى الله، وكيف يكون استعداده قبل مواجهة أعداء الله، وكيف تكون دعوته بلين ورفق، فربما تحرَّك شيء من الإيمان في قلب العصاة وحصل المراد. فذكرت الآيات المعاني التالية: اذهب أنت وأخوك بالمعجزات الَّتي أيَّدْتُك بها إلى فرعون، فأكثرا من ذكري، ولا تفترا ولا تقصِّرا في عبادتي، فأنتما وما تملكان من فصل الخطاب، وذكاء العقل، وتفتُّح الجنان، لن تستطيعا تحريك أيَّ قلب إن لم ترتبطا بي، وتستمدَّا القوَّة مني، فإيَّاكما والانشغال عن ذكري. وبعد الذكر وتطهير القلب وشحذ العزيمة، اذهبا إلى فرعون الَّذي تمادى وتجاوز كلَّ حدٍّ، حين جعل نفسه إلهًا، وصرف الناس عن عبادتي {فقولا له قولا ليِّنًا} . وعلى الرغم من بشاعة الذنب الَّذي ارتكبه فرعون، فقد علَّم الله نبيَّه الأسلوب الأمثل في دعوته وهدايته؛ إنه حوار عقلاني يدفع الحُجَّة بالحُجَّة، ليِّن هيِّن من شأنه أن يستجيش عاطفة الإيمان برفق، وينبِّه مكامن الحسِّ بيُسر، لأن الطغاة إذا دُعوا بعنف وشدَّة، استيقظت نوازع البطش والبغي في نفوسهم، وأخذتهم العزَّة بالإثم، لذلك ينبغي التعامل معهم بحذر، فلعلَّ قلوبهم المتصلِّبة أن تلين، ويشرق فيها قبس وضَّاء من الهداية يومض فجأة فيغمرها بالنور. ولفظ (لعلَّ) الَّذي ورد في الآية يحمل معنى الرجاء والأمل بإيمان هذا الطاغية، وعلى الرَّغم من علم الله الأزلي بأن فرعون لن يؤمن، فإنه لم يطلع نبيَّه على هذا العلم، وتركه يحاول ويتخذ الأسباب، تعليمًا للدعاة من بعده أن يتَّبعوا هذا الأسلوب في الدعوة، ولا يعلم ما في الغيوب إلا علاَّمُها سبحانه وتعالى، فإذا لم تتحقَّق النتيجة، كان فرعون هو المسؤول عن عناده بعد الإنذار والتحذير، ويستحقُّ عليه غضب الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت