الصفحة 203 من 1412

إلا أن يونس عليه السَّلام قبل أن يعلم بتوبة قومه، ذهب فركب مع جماعة في سفينة، فهاج البحر، وأخذت الأمواج تتقاذفها من كلِّ جانب، فعلم أصحابها أن فيهم مذنبًا، وتشاوروا بالأمر فيما بينهم، فاستقرَّ رأيهم على الأخذ بالقرعة، ومن وقعت عليه أَلْقَوه من السفينة خشية نزول غضب الله بهم وعذابه، فوقعت القرعة على نبي الله يونس، لكنَّهم أَبَوْا أن يلقوه لما اشتُهِر عنه من الصلاح والتَّقوى، ثمَّ أعادوا القرعة ثلاث مرات فوقعت عليه، فألقى يونس بنفسه في البحر، فأرسل الله حوتًا يشقُّ البحر فالتقمه، لكنَّ الله أوحى إليه أن لا يأكل منه لحمًا ولا يهشِّم له عظمًا. فأطبقت على يونس ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فنادى: ربِّ لا إله إلا أنت، تنزَّهْتَ عن النقص والظلم، وقد ظلمتُ نفسي وأنا الآن نادم على ذنبي تائب إليك، فاكشف عني هذه المحنة. فاستجاب الله دعاءه، ونجَّاه من الغمِّ الَّذي هو فيه، ولفظه الحوت على الساحل، وكان ذلك درسًا وعبرة لكلِّ من يتهاون في حمل الرسالة وأداء الأمانة. والمثير في هذه الأمثولة أن قوم يونس شعروا بالندم والألم على تفريطهم في حقِّ نبيِّهم، وكان هذا الشعور مدعاة لإنابتهم وصدق توبتهم، لذا فوجئ يونس عندما عاد إلى قومه فوجدهم قد اهتدوا إلى الصراط المستقيم، واتَّبعوا ما كان يدعوهم إليه من عبادة الله تعالى.

إن في هذه القصَّة لفتات تستدعي الوقوف عندها؛ ذلك أن يونس عليه السَّلام لم يصبر على تكاليف الرسالة، فضاق ذرعًا بالقوم، وألقى عن نفسه عبء الدعوة، وذهب مغاضبًا، ضَيِّق الصدر حَرِج النفس، فأوقعه الله في الضيق الَّذي تهون إلى جانبه مضايقات المكذِّبين. ولولا أن ثاب إلى رشده وأناب إلى ربِّه واعترف بظلمه لنفسه، وتخلِّيه عن واجبه لَمَا فرَّج الله عنه، ونجَّاه من الغمِّ الَّذي وقع فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت