الصفحة 233 من 1412

لقد كانت حِكَمٌ إلهية كثيرة تكمن وراء العديد من الأحداث المتعلِّقة بنزول الوحي، وهي تتناول بدء نزوله لأوَّل مرَّة، ورؤية الرسول صلي الله عليه وسلم لجبريل عليه السَّلام عيانًا ودون حجاب، وما رافق هذه الحادثة من مشاعر الهيبة والرهبة والحَيْرة الَّتي انتابت قلبه عليه الصَّلاة والسَّلام، ثمَّ ما تلا ذلك من انقطاع الوحي عنه بعد ذلك مدَّة طويلة، وجَزَعِ النبي صلي الله عليه وسلم بسبب ذلك جزعًا شديدًا. فالحكمة الَّتي كانت تنطوي عليها تلك المراحل والأحداث تحمل دلالات واضحة على أن ظاهرة الوحي ليست أمرًا ذاتيًا داخليًا مردُّه إلى حديث النفس المجرَّد، وإنما هي استقبال وتلقٍّ لحقيقة خارجيَّة لا علاقة لها بالنفس وحَدْس الذَّات، فقد فوجِئ محمَّد صلي الله عليه وسلم ، وهو في غار حراء، بجبريل أمامه يراه بعينه وهو يقول له: اقرأ. ويُعَدُّ ضمُّ المَلَك جبريل إيَّاه ثمَّ إرساله له ثلاث مرات، قائلًا في كلِّ مرَّة: اقرأ، تأكيدًا لهذا التلقِّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يُتَصَوَّر من أن الأمر لا يعدو كونه خيالًا داخليا فقط. وأمَّا الخوف والفزع الَّذي انتابه لِمَا سمع ورأى في الغار، حتَّى جعله يقطع خلوته، ويسرع إلى البيت مرتعش الفؤاد، فإنه يوضح أن ظاهرة الوحي هذه لم تأت متمِّمة لشيء ممَّا كان النبي صلي الله عليه وسلم يتصوَّره أو يخطر في باله، وإنما فوجئ بها وبالرسالة دون أي توقُّع سابق. ولاشكَّ أن هذا الحال ليس من شأن من يتدرَّج في التأمُّل والتفكير، إلى أن تتكوَّن في نفسه عقيدة يؤمن بالدعوة إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت