فهرس الكتاب
أمَّا انقطاع الوحي بعد ذلك فينطوي على دليل آخر وحكمة إلهية بالغة، فيها أبلغ الردِّ على التعليل الَّذي أدلى به محترفو الغزو الفكريِّ الهدَّام، حول ظاهرة الوحي السماوي، وتفسيره بالإشراق النفسي المنبعث نتيجة تأمُّل حثيث، وتفكير طويل، وأنه أمر داخلي منبعث من أعماق ذاته. فلقد شاء الله عزَّ وجل أن يحتجب عنه جبريل عليه السَّلام بعد أن رآه للمرَّة الأولى في غار حراء مُدَّة طويلة، وأن يستبدَّ به القلق والخوف من أن يكون الله عزَّ وجل قد قلاه بعد أن أراد تشريفه بالوحي والرسالة، لسوء قد صدر منه، فضاقت عليه الدنيا، وانقطع عنه الزاد، واستوحش قلبه من الحبيب، وبقي للهاجرة وحده، بلا زاد وبلا عزاء، وهذا أمر صعب الاحتمال من كافَّة الوجوه. ذلك أنَّ الفراق صعب، لا سيَّما فراق الأحباب وخُلَّص الأصحاب، فكيف إذا داخل روعنا الشكُّ بأن ربَّ العالمين، قد تخلَّى عنا، وتركنا نهيم في وديان الوحشة والهجران. فأيُّ لوعة أصابت النبي صلي الله عليه وسلم عندما فتر عنه الوحي حتَّى صار حديث الناس: إن ربَّه قد قلاه. وينزل عليه الوحي بعد ذلك ـ وقد ذبلت حشاشة القلب ـ بمؤانسة لطيفة، وتسرية وتسلية، وترويح وطمأنينة، يحمل إليه أنسامًا من الرحمة وندىً من الودِّ، وهدهدة للروح الحائرة، والقلب الموجوع، وهذا ما تضمَّنه قوله تعالى: {والضُّحى * والليل إذا سجى * ما ودَّعك ربُّك وما قلى * ولَلآخرة خيرٌ لك من الأولى * ولَسوفَ يُعطيكَ ربُّك فترضى * ألم يَجِدكَ يتيمًا فآوى * ووجدكَ ضالاًّ فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى * فأمَّا اليتيم فلا تقهر * وأمَّا السَّائل فلا تنهر * وأمَّا بنعمة ربِّك فحدِّث} (93 الضحى آية 1ـ11) .