الصفحة 236 من 1412

وقد ابتدأ الله تعالى السورة بقَسَمٍ كريم، يؤكِّد من خلاله عهدًا لن يتغير، وهو ميراث لكلِّ مؤمن صادق بأن الله تعالى دائمًا وأبدًا يكلأ عباده المخلصين بعنايته ورعايته، وأن عطاءه الكريم قائم في الحياة الدنيا، وهو أفضل وأكرم في الدار الآخرة. وإن القَسَم بهذين الوقتين الرائعين الموحيين، الضُّحى وما فيه من الحياة والحيوية، والليل وما فيه من السكينة والهدوء، يربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس، ويوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعريَّة المتجاوبة مع هذا الوجود، المتعاطفة مع كلِّ حيٍّ، فيعيش ذلك القلب في أُنْسٍ من هذا الوجود.

وربَّما أقسم عزَّ وجل بالضحى والليل لكونهما الوقتين اللَّذَيْن كان يخلو فيهما رسول الله بربِّه، حيث تحلو المناجاة مع الله والتودُّد إليه، أو رمزًا لانبلاج النور الإلهي بعد هيمنة ظلام الكفر، أو لحلول ضحى الفَرَج على الرسول وانزياح ليل الشدَّة والعُسْر. وبعد هذا الإيحاء الكوني يجيء التوكيد المباشر: {ما ودَّعك ربُّك وما قلى* وللآخرة خيرٌ لكَ مِنَ الأولىَ} أي ما تركك ربُّك ولا جفاك، فهو ربُّك وأنت عبده المنسوب إليه، وهو راعيك وكافلك، وما غاض معين فضله، وفيض عطائه، وأن آخرة الأمر في الدنيا خير من أوَّله، وأنه سيتبع هذا العناء والشدَّة، النصر وإقامة قواعد الشريعة المتجلِّية في إرساء الصدق والعدالة الاجتماعية، والبناء الأخلاقي المتكامل في الأرض. أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «عُرض عليَّ ما هو مفتوح لأُمَّتي بعدي فسرَّني، فأنزل الله وللآخرة خير لك من الأولى» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت