فهرس الكتاب
ثمَّ توالى نزول الوحي على رسول الله صلي الله عليه وسلم على مراحل بعد هذه المُدَّة من الانقطاع، وظهر جبريل الأمين بعدها وقد ملأت ذاته ما بين السماء والأرض يقول: يامحمَّد إنك رسول الله إلى الناس؛ فعاد مرَّة أخرى وقد استبدَّ به الخوف والرعب إلى البيت، حيث نزل عليه قوله تعالى: {ياأيُّها المُدَّثر * قُم فأنذر} ، قال جابر رضي الله عنه في حديثه عن النبي صلي الله عليه وسلم: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الَّذي جاءني بحراء جالس على كرسيٍّ بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زمِّلوني زمِّلوني فأنزل الله تعالى: {ياأيُّها المُدَّثر * قُم فأنذر * وربَّك فكبِّر * وثيابكَ فطهِّر * والرُّجْزَ فاهجر} (74 المدثر آية 1ـ5) فحمي الوحي وتتابع» (رواه الشيخان والترمذي) .
ولكِنْ لِمَ اقتصرت رؤية الوحي على النبي صلي الله عليه وسلم دون الصحابة، على الرغم من وجودهم حوله لحظة نزوله في كثير من الأحيان؟! ذلك لأنه ليس من شرط وجود الموجودات أن تُرى بالأبصار، إذ أن وسيلة الإبصار فينا محدَّدة بحدٍّ معين، وإلا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدومًا إذا ابتعد عن البصر بعدًا يمنع من رؤيته. على أنه من اليسير على الله جلَّ وعلا ـ وهو الخالق لهذه العيون المبصرة ـ أن يزيد في قوَّة ما شاء منها فترى ما لا تراه العيون الأخرى.