فهرس الكتاب
ثمَّ إن في استمرار الوحي بعد ذلك دلالة على حقيقته وعلى أن جبريل عليه السَّلام مَلَكٌ مُرسَل من الله عزَّ وجل؛ وأن الإيمان بالوحي يقتضي الإيمان بأن محمَّدًا صلي الله عليه وسلم قد أوحي إليه، وبالتالي أن نوقن بأن القرآن الكريم كلام الله عزَّ وجل أوحى به إلى رسوله صلي الله عليه وسلم ليهتدي به الناس، خاصَّةً وأن مهمَّة الرسل هي دلالة الناس وهدايتهم إلى الطريق المستقيم. ولكِنْ لابدَّ للناس من عطاء إلهي، ومن نور يُقذف في أعماق أرواحهم لينيرها به وتتوهَّج، فيصبحوا قادرين على سلوك هذا الصراط السوي، ولابدَّ من حافز روحي يدفع صاحبه بعزم وقوَّة تجاه تنفيذ الأوامر الإلهية، إذ القناعة الفكريَّة وحدها لا تكفي. وعندها يصبح العقل قادرًا على إدراك حقيقة الوحي ومعرفة مدلولاته والتَّفاعل معه، وهذه وظيفته في الهداية والانضباط الصحيح الَّذي لا يأتيه الباطل. أمَّا حين يستقلُّ العقل البشري بذاته بعيدًا عمَّا جاء به الوحي، فإنه يتعرض للضلال والانحراف وسوء الرؤية والتقدير والتدبير، بسبب طبيعة تركيبه في رؤية الوجود أجزاءً لا كُلًا واحدًا متصلًا، وبسبب ما رُكِّبَ في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات لابدَّ لها من ضابط ووازع إيماني. وهكذا فإن العقل نفسه يحتاج إلى ضابط يضبطه عن الميل وهو نور البصيرة، والله تعالى جعل حجَّته على الناس، الوحي والرسالة، ولم يجعلها عقلهم البشري ولا حتَّى فطرتهم، لأن الله يعلم أن العقل وحده يضلُّ، والفطرة وحدها لا تتَّضح معالمها بغير العقل، وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة إلا إذا كان الوحي هو الرائد الهادي وهو النور والبصيرة.
سورة الشورى (42)