الصفحة 244 من 1412

فعند عَتبةِ باب الغيب تقف الإمكانيات البشرية، ولا يفتح ذلك الباب لأحد من الناس فيطَّلع على ما وراءه إلا بإذن من الله؛ ولا يكون ذلك إلا للصفوة المختارة منهم، الَّذين لا يطلعهم الله تعالى إلا على القَدْر اليسير منه متى شاء ودون قيد أو شرط من أتباعهم. وهكذا كان شأن رسل الله جميعًا في ذلك، وهكذا كان شأن خاتمهم محمَّد صلى الله عليه وسلم الَّذي اقتفى آثار أولئك الرسل، وتابع إشادة صرح بنائهم في الدعوة إلى الدِّين القيِّم، حتَّى إذا أتمَّه وأكمله، انتقل إلى جوار ربِّه كما انتقلوا، ونَفَذَ فيه قانون الله كما في سائر مخلوقاته: {كلُّ من عليها فَان * ويبقى وجهُ ربِّكَ ذو الجلالِ والإكرام} (55 الرحمن آية 26ـ27) . وتأكيدًا لهذه الحقيقة وقف خليله الصدِّيق يوم وفاته موقفًا ثابتًا أمام من أنكروا موت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أيُّها الناس من كان يعبد محمَّدًا فإن محمَّدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت) ، وهنا تتجلَّى روعة الإسلام الَّذي رقى بأتباعه من التعلُّق بشخص الرسول إلى التعلُّق بالمرسِل ومصدر الرسالة، فكانت صلتهم بالله تعالى صلة وثيقة يتطلَّعون إليها، وعروة وثقى عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم وبين خالقهم فتمسَّكوا بها.

فموت الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعني موت الإسلام، وإذا كان مصير الخليقة إلى فناء، فإن مصير العقيدة هو البقاء، ومنهج الله في الأرض مستقلٌّ بذاته عن الرسل والدعاة الَّذين يحملونه ويبلِّغونه إلى الناس، مهما علا شأنهم وجلَّ قدرهم، وشعلة الهداية متوقِّدة متأجِّجة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

3 ـ مهمَّة النبي صلى الله عليه وسلم

سورة آل عمران (3)

قال الله تعالى: {لقد مَنَّ الله على المُؤمنينَ إذ بَعَثَ فيهم رسُولًا من أنفُسِهِم يَتلُوا عليهم آياتِهِ ويُزَكِّيهِم ويُعَلِّمُهُمُ الكتابَ والحِكمَةَ وإن كانوا مِن قَبلُ لفي ضَلالٍ مُبينٍ (164) }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت