فهرس الكتاب
في خضمِّ المتاهات الفكرية، والصراعات القبلية، وفي ظلِّ العبودية والرِّق وحكم الأقوياء وتسلُّطهم، وفرضهم لمعتقداتهم الَّتي يتستَّرون وراءها، بُعث النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم في شبه الجزيرة العربية، وأُعطيت له رسالةٌ واضحة الأهداف، راقية بأخلاقياتها وسُمُوِّها الروحي؛ لإنقاذ الجنس البشري وتنظيم مسيرته لما فيه خيره وسعادته. وقد بعثه الله تعالى عربيًا من جنس قومه وبلسانهم؛ ليكون أسوتهم وليتمكَّنوا من الاقتداء به. فلم يكن غريبًا عنهم بل إنه وُلد فيهم، وترعرع بينهم، وعاش بين ظهرانيهم أربعة عقود كاملة قبل بعثته. وقد علموا فضله في كلِّ ناحية من نواحي حياته، واختبروا أخلاقه وعاداته منذ صباه ونعومة أظفاره إلى أن بلغ أَشُدَّه واستوى، وخرج إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام، ويبلِّغهم كلام الله تعالى بالشكل الَّذي نزل عليه، ويبيِّن لهم الأهداف الَّتي يرمي إليها، ويعلِّمهم أمور الحلال والحرام، والخطأ والصواب وينير لهم سبل العلم والمعرفة، ويزرع في عقولهم الحكمة ليزدادوا رقيًّا وكمالًا. وفي هذه الآيات الكريمة يُذكِّر الله المؤمنين بما امْتَنَّ به عليهم وتفضَّل من بعثة النبي فيهم، فكانت فاتحة تاريخ مشرق ومستقبل ناجح متألِّق، كما يحدد تعالى المهامَّ الَّتي بُعث الرسول بها، وهي تعليمهم القرآن والحكمة وتزكية نفوسهم.